أبو نصر الفارابي

83

كتاب السياسة المدنية

شأنها في جنس ما أن تدرك بالاستنباط . فإنه لا يمتنع أن يكون اثنان أعطيا معقولات ، واحدة بأعيانها تصلح لجنس ما ويكون أحدهما طبع على أن يستنبط بتلك المعقولات من ذلك الجنس أشياء أقل ويكون الآخر له قدرة بالطبع على أن يستنبط جميع ما في ذلك الجنس . وكذلك قد يتساوى اثنان في القدرة على استنباط أشياء بأعيانها إلا أن أحدهما أسرع استنباطا والآخر أبطأ أو يكون أحدهما أسرع استنباطا لأفضل ما في ذلك الجنس والآخر لأخس ما في ذلك الجنس « 1 » . وقد يكون أيضا اثنان يتساويان في القدرة على الاستنباط وفي السرعة ويكون أحدهما مع ذلك له قدرة على أن يرشد غيره ويعلم ما قد استنبط ، وبعضهم ليست له قدرة على الإرشاد والتعليم « 2 » . وكذلك قد يتفاضلون في القدرة على الأفعال البدنية . والفطر التي تكون بالطبع ليست تقسر أحدا ولا تضطره إلى فعل ذلك ، لكن إنما تكون هذه الفطر على أن يكون فعل ذلك الشيء الذي أعدوا نحوه بالطبع أسهل عليهم . وعلى أن الواحد إذا خلّي على هواه ولم يحركه من خارج شيء إلى ضده نهض نحو ذلك الشيء الذي يقال إنه معد له ، وإذا حركه نحو ضد ذلك محرك من خارج نهض أيضا إلى ضده ، ولكن بعسر وشدة وصعوبة إلّا أن يسهل ذلك عليه اعتياده له . وقد يتفق أن يكون في الذين هم مطبوعون على شيء ما

--> ( 1 ) الناس يتفاوتون في القدرة على الاستنباط . ( 2 ) الناس يختلفون في القدرة على التعليم والإرشاد .