أبو نصر الفارابي
67
كتاب السياسة المدنية
ما هو على كماله الأخير بعائق من خارج ذاته ، وذلك مثل ما يعاق ضوء الشمس على الشيء المستتر بحائط . والأشياء المفارقة للمادة فإنها بجواهرها على كمالاتها الأخيرة من أول الأمر ولا ينقسم شيء منها إلى حالين : حال هو فيها على كماله الأول وحال هو فيها على كماله الأخير . ولأنها لا أضداد لها ولا لموضوعاتها فلا عائق لها بوجه أصلا ، فلذلك لا تتأخر عنها أفعالها « 1 » . والأجسام السماوية فإنها في جواهرها على كمالاتها الأخيرة . وفعلها الكائن عنها أولا هو حصول أعظامها ومقاديرها وأشكالها وسائر ما هو لها مما لا يتبدل عليها . وفعلها الكائن عنها ثانيا هو حركاتها وهذا فعلها عن كمالاتها الأخيرة . ولا تضاد فيها ولا لها أضداد من خارج ، فلذلك لا تنقطع حركتها ولا في وقت أصلا « 2 » . وأما الأجسام الممكنة فقد تكون أحيانا على كمالاتها الأول وأحيانا على كمالاتها الأخيرة . ولأن لكل واحد منها مضادا صارت تتأخر أفعالها عنها لهذين السببين جميعا أو لأحدهما . فإنّ الكاتب لا يصدر عنه فعل إما لأنه نائم أو مشغول بشيء آخر أو أن أجزاء الكتابة ليست خاطرة بباله في ذلك الوقت أو لأن هذه كلها على التمام ولكن له عائق
--> ( 1 ) يثبت هنا مبدأ أساسيا اعتمد عليه المشاءون في قولهم بقدم العالم وهو عدم جواز تأخر الفعل عن الفاعل القادر المكتمل القوة . ( 2 ) حركة الأجسام السماوية أزلية وأبدية لأنها فعلها الصادر عنها ، وهي على كمالاتها الأخيرة .