أبو نصر الفارابي

66

كتاب السياسة المدنية

الممكنات يعين موضوعاتها ويقويها . فإن الممكنات لما أعطيت القوى منذ أول الأمر وخليت يفعل بعضها في بعض ، أمكن أن تضاد أفعال الأجسام السماوية أو تشاكلها ، وتكون الأجسام السماوية بعد إعطائها تلك القوى معينة لها أو عائقة « 1 » . وهذه الأجسام الممكنة الموجودة بالطبع منها ما وجوده لأجل ذاته ولا يستعمل في شيء آخر ولا ليصدر عنه فعل ما ، ومنها ما أعد ليصدر عنه فعل ما إما في ذاته وإما في غيره ، ومنها ما أعد ليقبل فعل غيره . فالذي هو مفطور لأجل ذاته لا لأجل شيء آخر أصلا قد يصدر عنه فعل ما على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر . وهذه كلها إذا كانت بحال من الوجود شأنها في تلك الحال أن يكون عنها الشيء الذي شأنه أن يكون عنها من غير عائق من ذواتها كانت تلك الحال من وجودها هي كمالها الأخير ، وذلك مثل حال البصر حينما يبصر . وإذا كانت بحال من الوجود ليس شأنها بتلك الحال وحدها أن يكون عنها ما شأنه أن يكون عنها دون أن تنتقل إلى وجود أفضل من الوجود الذي هو لها الآن ، كانت تلك الحال هي كمالها الأول ، وذلك مثل نسبة حال الكاتب النائم في الكتابة إلى حاله فيها وهو منتبه أو مثل حاله فيها وهو كال وعند الراحة من الكلال إلى حاله فيها وهو يكتب . والشيء متى كان على كماله الأخير وكان ذلك مما شأنه أن يصدر عنه فعل لم يتأخر عنه فعله وحصل من ساعته بلا زمان . وإنما يتأخر فعل

--> ( 1 ) الموانع التي تمنع الأجسام السماوية من التأثير في الأجسام الأرضية .