أبو نصر الفارابي

65

كتاب السياسة المدنية

فالحيوان الناطق ، أما بحسب صورته فليس هو لأجل نوع آخر أصلا لا على طريق المادة ولا على طريق الآلة والخدمة . وأما ما دونها فإن كل واحد منها بحق صورته إما أن يكون لغيره فقط وإما أن يجتمع فيه الأمران جميعا : أن يوجد لذاته وأن يوجد لغيره . والعدل أن يوفى بالطبع قسطيه جميعا . وكل هذه الأشياء إما أن تجري على التساوي وإما على الأكثر وإما على الأقل . فالكائن على الأقل هو لازم لطبيعة الممكن لزوما ضروريا وليس يدخل عليه غريب . فعلى هذا الوجه وبهذا النحو ضبطت الموجودات الممكنة ودبر أمرها وجرى أمر العدل فيها حتى حصل لكل ممكن قسطه من الوجود على حسب استيهاله . والأشياء التي فيها هذه القوى الفاعلة أو الحافظة فربما فعلت فيها الأجسام السماوية بعد أن حصلت فيها القوى أفعالا مضادة للقوى فتمتنع من قبولها . وكذلك قد تمتنع هذه من قبول فعل بعضها في بعض ، ويضعف بعضها عن بعض . فالممكنة التي فيها قوى فاعلة قد يمكن أن لا تفعل إما لضعفها وإما لامتناع أضدادها عليها ، وإما لقوة أضدادها ، وإما لأن أضدادها يعينها من خارج أشياء مشاكلة لها ، وإما أن يعوق فعل الفاعل عائق آخر مضاد من جهة أخرى « 1 » . وأما الأجسام السماوية فإنها قد يمكن أن لا تفعل ولا يحصل عنها في الموضوعات التي تحتها فعل لا لأجل كلال فيها من أنفسها لكن لأجل امتناع موضوعاتها من قبول أفعالها أو بأن يكون فاعل آخر من

--> ( 1 ) يشير هنا إلى الموانع التي تمنع الأجسام الأرضية من أن تؤثر في بعضها البعض .