أبو نصر الفارابي
58
كتاب السياسة المدنية
منهما وجودا مقابلا لوجود الآخر . والشيء الواحد إنما يمكن أن يوجد الوجودين المتقابلين بوجهين فقط إما في وقتين أو من جهتين مختلفتين . والموجودات المتقابلة إنما تكون بالصور المتضادة « 1 » . وحصول الشيء على أحد المتضادين هو وجوده على التحصيل . والذي به يمكن أن يوجد الوجودين المتضادين هو المادة . فبالمادة يكون وجوده الذي يكون له على غير تحصيل وبالصورة يكون وجوده المحصل . فله وجودان : وجود محصل بشيء ما ووجود غير محصل بشيء آخر . فلذلك وجوده بحق مادته أن يكون مرة هذا ومرة ذاك ، وبحق صورته أن يوجد هذا وحده دون مقابله . فلذلك يلزم ضرورة أن يعطى الوجودين جميعا ، وذلك بحسب حق هذا حينا وبحسب مقابله حينا « 2 » . والممكن على نحوين : أحدهما ما هو ممكن أن يوجد شيئا ما وأن لا يوجد ذلك الشيء ، وهذا هو المادة . والثاني ما هو ممكن أن يوجد هو في ذاته وأن لا يوجد ، وهذا هو المركب من المادة والصورة « 3 » . والموجودات الممكنة على مراتب : فأدناها مرتبة ما لم يكن له وجود محصل ولا بواحد من الضدين ، وتلك هي المادة الأولى . والتي في المرتبة الثانية ما حصلت وجودات بالأضداد التي تحصل في المادة الأولى - وهي الأسطقسات . وهذه إذا حصلت موجودة بصور ما ، حصل لها
--> ( 1 ) التقابل سببه تضاد الصور . ( 2 ) بالمادة يكون وجود الشيء الممكن غير المحصل ، وبالصورة يكون وجوده المحصل . ( 3 ) الممكن يقال على المادة ويقال على المركب من المادة والصورة .