أبو نصر الفارابي

53

كتاب السياسة المدنية

يتجوهر به الشيء من الموجودات هو كم أو كيف أو غير ذلك من سائر المقولات . ولذلك صار كل واحد من هذه الجواهر ذوات أعظام محدودة وأشكال محدودة ، وذوات كيفيات أخر محدودة ، وسائر ما يتبع هذه ضرورة من المقولات . غير أنه إنما صار له من كل ذلك أفضلها . ويتبع ذلك أن صار المكان الذي له أفضل الأمكنة إذ كان يلزم ضرورة أن يكون كل جسم محدود في مكان محدود . وهذه الجواهر أيضا قد وفّيت أكثر وجوداتها على التمام وبقي منها شيء يسير ليس من شأنها أن يوفاها دفعة من أول الأمر بل إنما شأنها أن يوجد لها شيئا فشيئا في المستقبل دائما . فهي لذلك تسعى نحوه لتناله وإنما تناله بدوام الحركة . فلذلك تتحرك دائما ولا تنقطع حركتها ، وإنما تتحرك وتسعى إلى أحسن وجودها . وأما أشرف وجوداتها وما هو أقرب إلى الأشرف فقد وفّيت من أول الأمر « 1 » . وموضوع كل واحد منها لا يمكن أن يكون قابلا لصورة أخرى غير الصورة الحاصلة له منذ أول الأمر . ومع ذلك فليس لجواهرها أضداد « 2 » . وأما الموجودات التي دون الأجسام السماوية فإنها في نهاية النقص في الوجود . وذلك أنها لم تعط من أول الأمر جميع ما تتجوهر به

--> ( 1 ) سبب حركة الكواكب هو السعي لأكمل وجوداتها . ( 2 ) يريد أن يقول إنّ أجسام الكواكب مؤلفة من صورة ومادة ، بيد أن صورتها لا تتغير وليس لها أضداد .