أبو نصر الفارابي
54
كتاب السياسة المدنية
على التمام ، بل إنما أعطيت جواهرها التي لها بالقوة البعيدة فقط لا بالفعل إذ كانت إنما أعطيت مادتها الأولى فقط . ولذلك هي أبدا ساعية إلى ما تتجوهر به من الصورة . فالمادة الأولى هي بالقوة جميع الجواهر التي تحت السماء ؛ فمن جهة ما هي جواهر بالقوة تتحرك إلى أن تحصل جواهر بالفعل « 1 » . ثم بلغ من تأخرها وتخلفها وخساسة وجودها أن صارت لا يمكنها أن تنهض وتسعى من تلقاء أنفسها إلى استكمالاتها إلا بمحرك من خارج . ومحركها من خارج هو الجسم السماوي وأجزاؤه ثم العقل الفعال . فإن هذين جميعا يكمّلان وجود الأشياء التي تحت الجسم السماوي « 2 » . والجسم السماوي فإن جوهره وطبيعته وفعله أن يلزم عنه أولا وجود المادة الأولى « 3 » . ثم من بعد ذلك يعطي المادة الأولى كل ما في طبيعتها وإمكانها واستعدادها أن تقبل من الصور كائنة ما كانت . والعقل الفعال معد بطبيعته وجوهره أن ينظر في كل ما وطأه الجسم السماوي وأعطاه . فأي شيء منه قبل بوجه ما التخلص من المادة ومفارقتها ، رام تخليصه من المادة ومن العدم فيصير في أقرب مرتبة
--> ( 1 ) المادة الأولى هي الجواهر الأرضية بالقوة . ( 2 ) المادة الأولى لا تستكمل وجودها بالفعل إلا بفضل محرك خارجي هو الجسم السماوي ثم العقل الفعال . ( 3 ) المادة الأولى تفيض عن الجسم السماوي .