أبو نصر الفارابي

52

كتاب السياسة المدنية

أول الأمر « 1 » . فلذلك صارت هذه لا تتحرك ولا تسعى نحو شيء أصلا ولكن يفيض من وجود كل واحد منها وجود سماء سماء « 2 » . فأولها يلزم عنه وجود السماء الأولى إلى أن ينتهي إلى السماء الأخيرة التي فيها القمر . وجوهر كل من السماوات مركب من شيئين : من موضوع ومن نفس . والنفس التي في كل واحد منها موجودة في موضوع هي مع ذلك أجزاء النفس التي هي عقل بالفعل بأنها تعقل ذاتها وتعقل الثاني الذي عنه وجودها وتعقل الأول « 3 » . الأجسام السماوية والأرضية وجواهر الأجسام السماوية تنقسم بما هي جواهر إلى أشياء كثيرة ، وهي من مراتب الموجودات في أول مراتب النقص لأجل حاجة الشيء الذي به تتجوهر بالفعل إلى موضوع ما . فهي لذلك تشبه الجواهر المركبة من مادة ومن صورة . ومع ذلك فإنها غير مكتفية بجواهرها في أن يحصل عنها شيء آخر غيرها . وليس يبلغ من كمالها وفضيلتها إلى أن يفيض عنها فعل في غيرها دون أن يحصل لها وجود آخر خارج عن جواهرها وعن الأشياء التي بها تجوهرها . والخارج عمّا

--> ( 1 ) الثواني موجودة بالفعل منذ الأزل . ( 2 ) يفيض عن كل واحد من الثواني كوكب ( سماء ) . ( 3 ) كل كوكب مركب من نفس وجسم . والنفس تعقل ذاتها والثاني الذي صدرت عنه وتعقل الله .