أبو نصر الفارابي
47
كتاب السياسة المدنية
يفيض عنه وجود غيره أكمل من وجوده الذي به تجوهره . فلذلك صار وجود ما يوجد عنه غير متأخر عنه بالزمان أصلا بل إنما يتأخر عنه بسائر أنحاء التأخر « 1 » . والأسماء التي ينبغي أن يسمى بها هي الأسماء التي تدل من الموجودات التي لدينا على الكمال وفضيلة الوجود من غير أن يدل بشيء من تلك الأسماء منه هو على الكمال والفضيلة التي جرت العادة أن يدلّ عليها بتلك الأسماء من الموجودات التي لدينا بل على الكمال الذي يخصه هو في جوهره . وأيضا فإن أنواع الكمالات التي جرت العادة أن يدلّ عليها بالأسماء الكثيرة كثيرة . وليس ينبغي أن يظن أن أنواع كمالاته التي يدل عليها بأسمائه الكثيرة أنواع كثيرة ينقسم إليها ويتجوهر بجميعها بل ينبغي أن يدل بتلك الأسماء الكثيرة على جوهر واحد ووجود واحد غير منقسم أصلا « 2 » . وأيضا فمتى اتفق في اسم من تلك الأسماء أن كان يدل من بعض ما لدينا على فضيلة وكمال خارج عن جوهره فينبغي أن يجعل ما يدل عليه ذلك الاسم من الأول كمالا وفضيلة في جوهره ، مثل الجميل الذي يدل به في كثير من الموجودات على كمال في لون أو شكل أو وضع لا في جوهر ذلك الشيء .
--> ( 1 ) هذا دليل يقدمه الفارابي على قدم العالم : وجود العالم لازم عن وجود الله . ( 2 ) يلتقي الفارابي هنا مع المعتزلة في إرجاع صفات الله إلى ذاتها أو في القول بأن الصفات هي عين الذات .