أبو نصر الفارابي

39

كتاب السياسة المدنية

4 - فضيلة الأول والله وأما الأول فليس فيه نقص أصلا ولا بوجه من الوجوه ، ولا يمكن أن يكون وجود أكمل وأفضل من وجوده « 1 » ، ولا يمكن أن يكون وجود أقدم منه ولا في مثل رتبة وجوده لم يتوفر عليه . فلذلك لا يمكن أن يكون استفاد وجوده عن شيء آخر غيره أقدم منه ، وهو من أن يكون استفاد ذلك عما هو أنقص منه أبعد « 2 » . ولذلك هو أيضا مباين بجوهره لكل شيء سواه مباينة تامة « 3 » ، ولا يمكن أن يكون ذلك الوجود الذي هو له لأكثر من واحد لأن كل ما وجوده هذا الوجود لا يمكن أن يكون بينه وبين آخر له أيضا هذا الوجود بعينه مباينة أصلا . لأنه إن كانت بينهما مباينة كان الذي تباينا به شيئا آخر غير ما اشتركا فيه . فيكون الشيء الذي به باين كل واحد منهما الآخر جزءا مما قوام وجوديهما به . فيكون وجود كل واحد منهما منقسما بالقول . فيكون كل واحد من جزأيه سببا لقوام ذاته ، فلا يكون أولا بل يكون هناك موجود أقدم منه به قوامه . وذلك محال فيه إذ هو أول . وما لا تباين بينهما لا يمكن أن يكونا كثرة ، لا اثنين ولا أكثر « 4 » .

--> ( 1 ) الله أكمل الموجودات . ( 2 ) الله أقدم الموجودات ، فهو أزلي . ( 3 ) الله لا يشبهه موجود آخر . ( 4 ) الله واحد والبرهان على وحدانيته .