أبو نصر الفارابي
19
كتاب السياسة المدنية
وحاول أن يوفق بين هذا المزيج والدين الإسلامي ، واجتهد في إبداء آراء خاصة حول الأمور الجزئية . إنه لم يأت بجديد في الإلهيات ، ونراه يردد في تصوره الله وصفاته آراء أرسطو . فهو السبب الأول والمبدأ الأول للعالم ، وهو سرمدي ، وهو عقل يعقل ذاته ، وهو متقدم على العالم بالذات لا بالزمان . وفي الطبيعيات يشرح نظرية أرسطو في هيئة العالم وتركيبه من مادة أولى وصورة ، وتسلسل كائناته من أجسام سماوية ذات نفوس وعقول ، وأجسام أرضية أدناها الأسطقسات أو العناصر الأربعة وأسمى منها المعادن فالنبات فالحيوان فالإنسان . وفي خلق العالم يبتعد قليلا عن أرسطو ويقول بنظرية الفيض التي ذهب إليها أفلوطين . وفي النفس يعود إلى أرسطو ويجعل للنفس القوى التي ذكرها أرسطو ، ولكنه يفرد للمخيلة دورا هاما لا نلفاه عند أرسطو ، فيجعلها قوة معرفية عظيمة ويفسر بها النبوة كما يفسر الأحلام بالنزوعية والمتخيلة معا . وهو في كل هذا يحرص على تقريب هذه المقولات أو المفاهيم اليونانية من تعاليم الإسلام ، فيجعل الثواني ملائكة ، ويجعل العقل الفعال الملاك جبريل حامل الوحي ينزله على الأنبياء كما ينزله على الفلاسفة ، وهكذا يصبح الفيلسوف والنبي متساويين ومتشابهين لا فرق بينهما يذكر إلا من جهة اعتماد الفيلسوف على العقل والنبي على المتخيلة كوسيلة للاتصال بالعقل الفعال وتلقي الوحي عنه .