أبو نصر الفارابي
13
كتاب السياسة المدنية
التغلب والإذلال ويكون سائر أهل مدينته بمثابة آلات في قهر سائر الناس . ويفرق الفارابي بين أصناف من المدن التغلبية . فثمة مدينة لا يبغي أهلها من الغلبة إلا القهر والإذلال ، وثمة صنف آخر من المدينة التغلبية يرمي أهلها من التغلب إلى نيل الضروريات أو اليسار والتمتع باللذات ، وهناك صنف ثالث يرجون من التغلب الكرامة والعز والسؤدد . والنوع السادس من المدن الجاهلة يدعوه الفارابي المدينة الجماعية وغاية أهلها الحرية . ولذا يكون أهلها أحرارا يعملون ما يشاءون ولا يسيطر أحدهم على آخر لأنهم يعتقدون أنهم متساوون ولا فضل لإنسان على إنسان . ورئيسهم يرأس بإرادة الشعب وينفذ مشيئة ذلك الشعب . وأفضل رئيس عند أهل المدينة الجماعية هو الذي يلبي شهواتهم ويستجيب لأهوائهم ويدفع عنهم أعداءهم ولا يأخذ من أموالهم شيئا ، وإذا لم يفعل ذلك خلعوه أو قتلوه . وغالبا ما تشترى الرئاسة شراء بالمال . وأهل المدينة الجماعية خليط متنوع الأجناس والألوان والأعراق ، لأنها محبوبة السكنى يقصدها أبناء الأمم المختلفة فيتجاورون ويتزاوجون ، وتنشأ أجيال متباينة التربية والنشوء والنزعات . وقد ينشأ فيها الأفاضل وينبغ الحكماء والخطباء والشعراء ، وقد نجد فيها شرائح من المدينة الفاضلة . ولذا كانت المدينة الجماعية أكثر المدن الجاهلة خيرا وشرا .