أبو نصر الفارابي
14
كتاب السياسة المدنية
وإذا كان الفارابي قد أطال الحديث عن المدينة الجاهلة فإنه يقتضب جدا في حديثه عن الأنواع الثلاثة الأخرى المضادة للمدينة الفاضلة ، أعني المدينة الفاسقة والمدينة الضالة والنوابت . فالمدينة الفاسقة هي المدينة التي يعرف أهلها ما يعرفه أهل المدينة الفاضلة ويعتقدون المبادي ذاتها ويفهمون السعادة والأعمال المؤدية إليها فهما حسنا ، بيد أنهم لا يعملون بتلك المعتقدات والمفاهيم الصالحة وإنما يفعلون أفعال المدينة الجاهلة ويتخذون غايات لهم اليسار أو التغلب أو اللذة أو الكرامة . . . إلخ ، ولذا كانت أنواعها على عدد أنواع المدينة الجاهلة . والمدينة الضالة تبتعد أكثر عن المدينة الفاضلة ، فلا تشبهها لا في الاعتقادات والمعارف ، ولا في الأفعال التي تنال بها السعادة . لقد ضلت الطريق السوي وتاهت في فيافي الجهل وحوكيت لها الأمور على غير ما هي في الحقيقة . وأخيرا يختم الفارابي الكتاب بالكلام على النوابت . وهؤلاء يظهرون في المدن الفاضلة وينحرفون عن جادة الصواب في معتقداتهم وأفعالهم . وهم أصناف عدة أهمها المحرفة الذين يعمدون إلى ألفاظ واضع الشريعة ويتأولونها على ما يوافق أهواءهم في اليسار أو الكرامة أو التغلب . ثم المارقة الذين لسوء فهمهم يتصورون شرائع المدينة على غير مقصد واضعها . ثم المزيفة الذين يتخيلون الأشياء أو المفاهيم والاعتقادات ولكنهم لا يقتنعون بها أو لا يفهمونها فيزيفونها عند أنفسهم وعند غيرهم بأقاويل تتفق مع أغراض أهل المدينة الجاهلة ،