أبو نصر الفارابي

124

كتاب السياسة المدنية

من بعيد أن هاهنا حقا ويقع في نفسه أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم أدركوه عسى أن يكونوا أدركوه أو أن يكون فيهم من عسى أن يكون قد أدرك ويحس من نفسه أن ذلك قد فاته إما لأنه يحتاج في إدراكه إلى زمان طويل وإلى كد وعناء وليس له زمان يفي به ولا قوة له على الكد والدءوب إما لأنه تشغله لذّات وأشياء أخر قد اعتادها يعسر عليه اطّراحها عن نفسه وإما لأنه قد أحس من نفسه أنه لا يدركه ولو آتته أسبابه كلها . فيعرض له أسف وحسرة على ما يظن أنه عسى أن يكون غيره قد لحقه فيرى من الرأي ، لأجل حسد من عسى أن يكون قد أدرك الحق ، أن يجهد في أن يوهم بأقاويل مموهة أن الذي يقول إنه أدركه إما مغرور وإما كاذب يلتمس بما يدعيه من ذلك إما كرامة وإما يسارا أو غير ذلك مما شأنه أن يهوى . وكثير من هؤلاء يحس بما فيه من الجهل أو الحيرة فيتألم ويتأذى بما يحسه من نفسه ويغتم ويمضّه ذلك ، ولا يجد سبيلا إلى إزالة ذلك عن نفسه بعلم يقف به على الحق الذي يكسبه إدراكه لذة ، فيرى أن يستريح من ذلك إلى سائر الغايات الجاهلة وإلى الأشياء الهزلية واللعبية فيجعلها سلوته إلى أن تأتيه منيته فتريحه مما هو فيه « 1 » .

--> ( 1 ) ينطبق هذا الوصف على المتوقفة أو اللاأدرية الذين يقولون إن الإنسان لا يعرف شيئا من أسرار العالم .