أبو نصر الفارابي
125
كتاب السياسة المدنية
وبعض هؤلاء أعني الذين يلتمسون أن يستريحوا مما يجدون من مضض الجهل والحيرة ربما أو هموا أن الغايات هي التي يختارونها هم ويؤثرونها ، وأن السعادة هي هذه ، وأن الباقين مغرورون فيما يعتقدونه ويجتهدون في تحسين الأشياء الجاهلة وفي تحسين السعادة . ويوهمون أن إيثارهم لما آثروه من ذلك هو بعد طول البحث عن جميع ما يدعيه غيرهم أنهم أدركوه ، وأنهم إنما رفضوا تلك بعد الوقوف على أنها ليس لها محصول ، وأن مصيرهم إلى ما صاروا إليه عن بصيرة بالغايات هي هذه لا تلك التي يدعيها أولئك . فهؤلاء هم الأصناف النابتة في خلال أهل المدينة ولا تحصل من آرائهم مدينة أصلا ولا جمع عظيم من الجمهور ، بل يكونون مغمورين في جملة أهل المدينة . « والمدن الضالة إنما تحدث متى كانت الملة مبنية من بعض الآراء القديمة الفاسدة . منها أن قوما قالوا إنا نرى الموجودات التي نشاهدها متضادة وكل واحد منها يلتمس إبطال الآخر ؛ ونرى كل واحد منها إذا حصل موجودا أعطي مع وجوده شيئا يحفظ به وجوده من البطلان وشيئا يدفع به عن ذاته فعل ضده ، ويحرز به ذاته عن ضده ؛ وشيئا يقتدر به أن يستخدم سائر الأشياء في ما هو نافع في أفضل وجوده وفي دوام وجوده . وفي كثير منها جعل له ما يقهر به كل ما يمتنع عليه ،