أبو نصر الفارابي

123

كتاب السياسة المدنية

العناد ولم يمكنه أن يفهم الحقيقة ، يظن بالذي أدرك الحقيقة ممن يقول إنه أدركها أنه يكذب على عمد طلبا للكرامة أو الغلبة ، أو يظن به أنه مغرور مجتهد ويروم أن يزيف الحقيقة أيضا ، ويخس أمر من قد أدركها . ويخرج ذلك كثيرا منهم إلى أن يظنوا بالناس كلهم أنهم مغرورون في كل شيء يزعمون أنهم أدركوه . ويخرج ذلك بعضهم إلى الحيرة في الأمور كلها « 1 » . وبعضهم يخرجه ذلك إلى أن يرى أنه ليس فيما يدرك شيء صادق أصلا وأن كل ما ظن ظان أنه أدرك شيئا فهو في ذلك كاذب على غير ثقة ولا يقين من ظنه . وهؤلاء بمنزلة الأغمار الجهال عند العقلاء وبالإضافة إلى الفلاسفة . فمن أجل ذلك واجب على رئيس المدينة الفاضلة تتبع النابتة وإشغالهم وعلاج كل صنف منهم بما يصلحه خاصة إما بإخراج من المدينة أو بعقوبة أو بحبس أو بتصريف في بعض الأعمال وإن لم يسعوا له . وبعضهم يظن أن الحق هو ما ظهر لكل واحد وظنّه في الوقت بعد الوقت ، وأن الحقيقة في كل شيء هو ما يظنه به ظان « 2 » . وبعضهم يجهد نفسه في أن يوهم أن كل ما يظن أنه يدرك إلى هذه الغاية من الأمور فكله كذب وأنه إن كان هاهنا صدق وحق ما فلم يدرك بعد . وبعضهم يتخيل له مثل حلم النائم أو مثل ما يرى الشيء

--> ( 1 ) يشير إلى الشكاك الذين يذهبون إلى استحالة المعرفة . ( 2 ) هذا الوصف ينطبق على السفسطائيين الذين يقولون إن المعرفة نسبية . تلك هي مقولة غورغياس وبروتاغوراس اليونانيين .