أبو نصر الفارابي

114

كتاب السياسة المدنية

و - فأما المدينة الجماعية « 1 » فهي المدينة التي كل واحد من أهلها مطلق مخلى لنفسه يعمل ما يشاء . وأهلها متساوون ، وتكون سنتهم أن لا فضل لإنسان على إنسان في شيء أصلا . ويكون أهلها أحرارا يعملون ما شاؤوا ، ولا يكون لأحد على أحد منهم ولا من غيرهم سلطان إلا أن يعمل ما تزول به حريتهم . فتحدث فيهم أخلاق كثيرة وهمم كثيرة وشهوات كثيرة والتذاذ بأشياء كثيرة لا تحصى كثرة ، ويكون أهلها طوائف كثيرة متشابهة ومتباينة لا تحصى كثرة . فتجتمع في هذه المدينة تلك التي كانت متفرقة في تلك المدن كلها - الخسيس منها والشريف - وتكون الرئاسات بأي شيء اتفق من سائر تلك الأشياء التي ذكرناها . ويكون جمهورها الذين ليست لهم ما للرؤساء مسلطين على أولئك الذين يقال فيهم إنهم رؤساؤهم ، ويكون من يرأسهم إنما يرأسهم بإرادة المرءوسين ، ويكون رؤساؤهم على هوى المرءوسين . وإذا استقصي أمرهم لم يكن فيهم في الحقيقة لا رئيس ولا مرءوس . إلا أن الذين هم المحمودون عندهم والمكرمون هم الذين يوصلون أهل المدينة إلى الحرية وإلى كل ما فيه هواهم وشهواتهم ، والذين يحفظون الحرية وشهواتهم المختلفة المتفاوتة عليهم بعضهم من بعض ومن أعدائهم الخارجين عنهم ، ويقتصرون من الشهوات على الضروري فقط . فهذا هو المكرّم والأفضل والمطاع فيهم . ومن سوى

--> ( 1 ) ينطبق وصف المدينة الجماعية على النظام الديمقراطي اليوم : حرية ، مساواة ، سلطة الرئيس مستمدة من الشعب .