أبو نصر الفارابي
115
كتاب السياسة المدنية
ذلك من رؤسائهم فإما أن يكون مساويا لهم أو أن يكون دونهم . ويكون مساويا لهم متى كان إذا اصطنع إليهم الخيرات التي هي إرادتهم وشهواتهم بذلوا به على ذلك كرامات وأموالا تساوي ما يفعله بهم . فحينئذ لا يرون له على أنفسهم فضلا ويكونون أفضل منه متى كانوا يبذلون له الكرامات ويجعلون له من أموالهم حظا ولا ينتفعون به . فإنه لا يمتنع أن يكون في هذه المدينة رؤساء هذه حالهم اتفقت لهم جلالة عند أهل المدينة إما بهوى هويه أهل المدينة وإما بأن كان لآبائه فيهم رئاسة محمودة فحفظ فيه حق آبائه فيرأس . حينئذ يكون الجمهور مسلّطين على الرؤساء وتكون جميع الهمم والأغراض الجاهلة من هذه المدينة على أتمّ ما يكون وأكثر . وتكون هذه المدينة من مدنهم هي المدينة المعجبة والمدينة السعيدة . وتكون من ظاهر الأمر مثل ثوب الوشي الذي فيه ألوان التماثيل وألوان الأصباغ . وتكون محبوبة ومحبوبة السكنى بها عند كل أحد ، لأن كل إنسان كان له هوى وشهوة في شيء ما قدر على نيلها من هذه المدينة . فتنزع الأمم إليها فيسكنونها فتعظم عظما بلا تقدير . ويتوالد فيها الناس من كل جبل وبكل ضرب من ضروب التزاوج والنكاح ، ويحدث فيها أولاد مختلفي الفطر جدا ، ومختلفي التربية والنشوء جدا « 1 » .
--> ( 1 ) لاحظ هذا الوصف الرائع للمجتمعات الجماعية أو الديمقراطية : إنها تشبه الثواب الموشى ، وتكون محبوبة السكنى يجد كل واحد فيها هواه وتختلط فيها الأمم وتتوالد فيها أجيال مختلفة التربية والنشء .