أبو نصر الفارابي

113

كتاب السياسة المدنية

هم الجفاة . فيظن بهم لذلك أنهم ذوو نخوة وكبر وتسلط . وربما سموا ذوي همم . وأما متى كانوا محبي اليسار ومحبي اللذات واللعب واتفق لهم أن لم يحصل لهم من الصناعات التي يكتسب بها اليسار إلا القوى التي تكون بها الغلبة ، وكانوا يصلون إلى اليسار وإلى اللعب بالقهر والغلبة عرض لهم بها النخوة أشد ودخلوا في جملة الجبارين « 1 » . فأما الأولون فحمقى . وكذلك لا يمتنع أن يكون في محبي الكرامة من ليس يحبها لذاتها بل لليسار . فإن كثيرا منهم إنما يريد أن يكرمه غيره لينال بذلك اليسار إما منه أو من غيره . فإنه إنما يريد الرئاسة ومطاوعة أهل المدينة له ليصل به إلى اليسار . وكثير منهم يريد اليسار للّعب واللذة ، فيعرض لكثير منهم أن يطلب الرئاسة وأن يطاع ليحصل له اليسار ليستعمل اليسار في اللعب . فيرى أن رئاسته وطاعة غيره له كلما كان أكثر وأتم كان أزيد له في هذه الأشياء . فيطلب التّوحد بالرئاسة على أهل المدينة لتحصل له الجلالة ليصل بها إلى اليسار العظيم الذي لا يدانية فيه أحد من أهلها ، ليستعمل ذلك اليسار في اللعب ولينال من اللعب واللذات من المأكول والمشروب والمنكوح ما لا يناله غيره في الكمية والكيفية معا .

--> ( 1 ) يبدو أن الفارابي يخالف طبيعة الأشياء ، فهو يقول إن أهل مدينة اللعب والهزل يجنحون إلى المجد والتغلب ، بينما هم أبعد الناس عن ذلك .