العلامة المجلسي

156

بحار الأنوار

" جاهد الكفار بالمنافقين " قالوا : لان النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يقاتل المنافقين ، وإنما كان يتألفهم ، ولان المنافقين لا يظهرون الكفر ، وعلم الله تعالى بكفرهم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يظهرون الايمان " واغلظ عليهم " وأسمعهم الكلام الغليظ الشديد . ( 1 ) وفي قوله تعالى : " وما كان المؤمنون " قيل : كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج غازيا لم يتخلف عنه إلا المنافقون والمعذرون ، فلما أنزل الله عيوب المنافقين وبين نفاقهم في غزاة تبوك قال المؤمنون : والله لا نتخلف عن غزاة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وآله ولا سرية أبدا ، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالسرايا إلى الغزو نفر المسلمون جميعا وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وحده فنزلت الآية عن ابن عباس في رواية الكلبي ، وقيل إنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا وخصبا ، ودعوا من وجدوا من الناس على الهدى ( 2 ) ، فقال الناس : ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا ، وأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله ، فأنزل الله هذه الآية عن مجاهد " لينفروا كافة " هذا نفي معناه النهي ، أي ليس للمؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد بأجمعهم ، ويتركوا النبي صلى الله عليه وآله فريدا ، وقيل : معناه ليس عليهم أن ينفروا كلهم من بلادهم إلى النبي صلى الله عليه وآله ليتعلموا الدين ويضيعوا من وراءهم ويخلوا دياهم " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين " فيه وجوه : أحدها فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع النبي صلى الله عليه وآله جماعة ليتفقهوا في الدين ، يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والاحكام ، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم القرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم : إن الله قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنا ، وقد تعلمناه فيتعلمه السرايا ، ( 3 ) فذلك قوله :

--> ( 1 ) مجمع البيان 5 : 50 . ( 2 ) في المصدر : إلى الهدى . ( 3 ) في المصدر : فتتعلمه السرايا