جعفر آل ياسين
29
الفارابي في حدوده ورسومه
غاياتها ؛ لذا نجده يسجل ، بشكل واضح وصريح ، تعذّر الوصول إلى التعريف السليم الذي لا تشوبه شائبة النقص أو التحريف ، لأنّ حدّ الشيء في رأيه أو تعريفه « كالأمر المتعذّر على البشر ، سواء كان تحديدا أو رسما ، وانّ المقدم على هذا بجرأة وثقة لحقيق أن يكون ( إقدامه ) من جهة الجهل بالمواضع التي منها تفسد الرسوم والحدود » « 26 » - مؤكدا ، في الوقت ذاته ، عمق خبرته المنطقية فيما يقرّره من أحكام تتناول طرائق الحدّ والتعريف ونقدهما ؛ من حيث أنّ أكثر ما تحدّ به الأشياء الظاهرة لنا ليست هي بحدود علمية صادقة ؛ لأن أكثر أجناسها المحمولة عليها هي في حقيقتها لوازم عامة غير الأجناس ، أي ما دعوناه ب ( التعابير الاصطلاحية ) - وإذا أردنا أن نحدّدها بلوازمها وخواصّها فينبغي ، قبل كل شيء ، أن تكون تلك اللوازم والخواص ، كما يعتقد ابن سينا ، بيّنة الوجود في الأشياء المتحرّكة ، أو الثابتة على حدّ سواء . ولنعد ، بعد هذا الذي قلناه ، نذكر رأي الأستاذ الرئيس في دلالة التعريف ؛ فهو : « فعل شيء إذا شعر به شاعر تصوّر شيئا ما هو المعرّف ، وذلك الفعل قد يكون كلاما أو قد يكون إشارة » « 27 » . سواء ما كان منه تعريفا حقيقيا ، أي تحصيل ما ليس بحاصل من التصورات ، أو تعريفا لفظيا ؛ وهو الإشارة إلى تصوّر حاصل في الذهن فحسب . . وبهذا ؛ فالتعريف إذن يشمل جميع المعاني الذاتية للشيء بما يدلّ عليه دلالة « مطابقة » كدلالة الحيوان على جملة الجسم ذي النفس أو الحسّاس ، أو دلالة « تضمّن » كدلالة لفظة الحيوان على الجسم - مؤكّدا إلى جانب ذلك أهميّة المعاني مقرونة بألفاظها ؛ لأنّ الكلام على الألفاظ المطابقة لمعانيها كالكلام على معانيها ؛ ولكن وضع الألفاظ في رأي ابن سينا أحسن عملا . . فكأنّ الفيلسوف في موقفه هذا يتنبأ - كما يقول الدكتور إبراهيم مدكور - بالمنطق الرياضي قبل ظهوره بعدة قرون « 28 » ! .
--> ( 26 ) انظر : ابن سينا - تسع رسائل في الحكمة ( رسالة الحدود ) ص 72 . ( 27 ) انظر : ابن سينا - منطق المشرقيين ، ص 29 . ( 28 ) انظر : ابن سينا - كتاب الشفاء ( المدخل ) مقدمة الدكتور إبراهيم مدكور ، القاهرة 1952 ص / 52 .