جعفر آل ياسين
20
الفارابي في حدوده ورسومه
في الوقت الذي يتميّز به ابن جنّي بعمق اقتناصه لأطراف المعاني قبل دلالاتها الشكلية ! . . أقول هذا ، لعلمنا بأنّ ثمّة وقفة أخرى مثّلها الفلاسفة العرب الذين رفضوا - كالفارابي وابن سينا - هذا النحو من التعريف المعجمي الذي لا يحقّق في نظرهم ، صدق الدلالة المطلوبة . . ومن هنا لم يبرموا أيضا فروع هذا التعريف كالتمثيل والمحاكاة والترادف ، لأنّها ليست طريقة تقود إلى الحدّ الحقيقي ، « وقد يقع فيها الغلط كثيرا » كما يقول الشيخ الرئيس ابن سينا « 16 » . والذي تجدر ملاحظته هنا لأهميته هو كيف أنّ الحاجة الثقافية ، في حضارة مزدهرة كحضارة الإسلام ، دفعت بالباحثين إلى محاولة استقصاء التعريفات الحقيقية ، فقدّم رجالها المتخصّصون مجموعة من أعمالهم الممتازة ، فكان منها كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمي محمد بن أحمد ( ت 387 ه ) وكتاب التعريفات للجرجاني ( ت 816 ه ) وكتاب الكلّيات لأبي البقاء الكفوي ( ت 1095 ه ) - ورسائل جمّة عن الحدود ؛ كان آخرها الكتاب الضخم للتهانوي ( ت 1158 ه ) في كشّاف اصطلاحاته وفنونه . . فكأنّ هؤلاء العلماء كانت تسري بين جنوبهم روح متأصلة تتمسك بدلالة المعنى لا بصوريّة اللفظ ، وبالمضمون لا بالشكل ، وقد حقّقوا بذلك الهدف الأصيل الذي يبدأ به العلم بمقدماته ومبادئه من حيث لا سبيل إليهما إليهما إلّا بالتعريفات والحدود . ولا تفوتني ، وأنا في سبيل تأطير بعض هذه الأعمال المبدعة ، الإشارة إلى ما قدّمه ( علم الأصول ) في مباحث الألفاظ من حدود وتعريفات دقيقة ذات مغزى فلسفي وكلامي ؛ خاصّة في رفضه لنظرية الحدّ الارسطوطالية وتقرير أن لا وجود لحدّ يمكنه أن يحصر الأمور الذاتية أو أن يصل إلى الماهيّة بالمفهوم الذي
--> ( 16 ) انظر : ابن سينا - منطق المشرقيين ، القاهرة 1910 ص 31 .