جعفر آل ياسين
21
الفارابي في حدوده ورسومه
أرادته الفلسفة المشائية ، مؤكّدا في الوقت ذاته أهمية المفردات ومعانيها ، والألفاظ ودلالاتها . . وممّا عرف عن هذا العلم أيضا استعماله لمصطلح ( العين ) بدلالة ( الجوهر ) - يوم لم تكن للأخير صورة واضحة في الأذهان سوى أنّه كلمة معرّبة عن الفارسية . وكان الأمر كذلك إذا قيس إلى الفلسفة الاسلامية في بواكيرها الأولى ؛ حيث استعملت لفظة ( العين ) بهذا المفهوم أيضا ، خاصة في أعمال محمد بن عبد اللّه بن المقفّع . . ولكن تطور المصطلح أدّى إلى أن يكتسب لفظ ( الجوهر ) صفة أساسية في الفلسفة طرد على أثرها مصطلح ( العين ) من حظيرتها ، وبقي مستعملا من قبل الفقهاء فحسب « 17 » . ورغم ذلك فإنّنا نلحظ أنّ جابر بن حيان ، وهو معاصر لمحمد بن عبد اللّه بن المقفّع ، يستعمل لفظ ( الجوهر ) بدلالته الفلسفية المتخصّصة ، ممّا يجعلنا نميل إلى أنّ المصطلح دخل الفكر العربي في مرحلة مبكّرة جدا ! . وأيّا ما كان ، فما أحوج هذه المدرسة الأصولية وأمثالها إلى أن ينبري لها بعض المتخصصين فيعمل على دراستها دراسة جادّة ومخلصة ، وبمنهج وطرائق حديثة يعتمد فيها المقارنات التاريخية والفيلولوجية والسيمانطيقية ، ويأخذ على عاتقه أسباب تطور دلالة المصطلح الفلسفي والعلمي منذ نشأته ونموه ، ومجال استعماله خلال العصور والأجيال ، وحتى فترتنا الحاضرة . . في الوقت الذي أسجل فيه أنّ محاولات الفهم الدلالي للحروف ومعانيها قد ترتفع تأريخيا إلى فترة متقدمة ، مع بدء رؤية بعض علمائنا الممتازين للمعاني القرآنية وتفسيرها ، أي منذ بناء الدلالة المجازية والمعنوية لهذه الألفاظ ، ممّا
--> ( 17 ) انظر : بول كراوس - التراجم الارسطوطالية المنسوبة إلى ابن المقفّع ( الترجمة العربية بقلم د . عبد الرحمن بدوي في كتابه التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية ) القاهرة 1949 ص 111 - 112 وقارن أيضا - الجواليقي - المعرّب من الكلام الأعجمي ، ص 98 .