أبو نصر الفارابي

1

الجمع بين رأيي الحكيمين

مقدّمة القسم الأول لمحة عن الفلسفة اليونانية غرضنا هنا عرض أهم نواحي الفلسفة اليونانية التي تأثر بها مفكرو الإسلام . فقد بدأنا بحركة السوفسطائيين إذ انهم أول من اثار المسائل الخاصة بالمعرفة وبالمبادئ الخلقية وعليهم رد سقراط الذي ارشد تلميذه أفلاطون إلى طريق المعرفة الحق ، وتبع أفلاطون تلميذه أرسطو الذي وضع أسس المنطق وطبقة في مختلف ميادين المعرفة . وأخيرا حاول افلوطين ان يحذو حذو أفلاطون فانتهى إلى مذهب الفيض . هذه هي أهم نواحي الفكر اليوناني التي تأثر بها مفكرو الإسلام ونوجزها هنا . السوفسطائيون بعد ان دحرت اثينا الفرس وحفظت لليونان استقلالهم وعقليتهم ، مضى هؤلاء يستكملون أسباب الحضارة بهمم جديدة ، ونبغ فيهم العلماء والشعراء والفنانون والمؤرخون والأطباء والصناع . وقويت الديموقراطية في جميع المدن ، وتعاظم التنافس بين الافراد ، فزادت أسباب النزاع امام المحاكم والمجالس الشعبية ، وشاع الجدل القضائي والسياسي . فنشأت من هاتين الناحيتين الحاجة إلى تعلم الخطابة وأساليب المحاجة واستمالة الجمهور ، ووجد فريق من المثقفين المجال واسعا لاستغلال مواهبهم ، فانقلبوا معلمي بيان . وهؤلاء هم السوفسطائيون ، ملئوا النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد « 2 » . وكان اسم « سوفيسطس » يدل في الأصل على المعلم ، وبنوع خاص على معلم البيان . ثم لحقه التحقير في عهد سقراط وأفلاطون ، لان السوفسطائيين كانوا مجادلين مغالطين ، وكانوا متجرين بالعلم ، وكانوا يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على

--> ( 2 ) يوسف كرم : « تاريخ الفلسفة اليونانية » - طبعة ثانية ، ص 45 وما بعدها .