أبو نصر الفارابي

2

الجمع بين رأيي الحكيمين

السواء . ومن كانت هذه غايته فهو لا يبحث عن الحقيقة . فجادلوا في أن هناك حقا وباطلا ، وخيرا وشرا ، وعدلا وظلما بالذات ؛ فاذاعوا التشكك في كل ذلك ، ومجدوا القوة والغلبة . ومن متاجرتهم بالعلم أصابوا ما لا طائلا وجاها عريضا . واشهرهم اثنان : بروتاغوراس ( 480 - 410 ) : ولد في ابديرا وقدم اثينا عام 450 حيث نشر كتابا أسماه « الحقيقة » ؛ ومما جاء فيه : « لا أستطيع ان اعلم أن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين ، فان أمورا كثيرة تحول بيني وبين هذا العلم ، اخصها غموض المسألة وقصر الحياة » ، وجاء أيضا : « الانسان مقياس الأشياء جميعا ، هو مقياس وجود ما يوجد منها ، ومقياس لا وجود ما لا يوجد » . وشرحها أفلاطون في محاورة « تيتياتوس » بقوله : « ان الأشياء هي بالنسبة اليّ على ما تبدو لي ، وهي بالنسبة إليك على ما تبدو لك ، وأنت وانا انسان » . - فالمقصود بالانسان هنا الفرد من حيث هو كذلك ، ولما كان الافراد يختلفون سنا وتكوينا وشعورا ، وكانت الأشياء تختلف وتتغير ، كانت الاحساسات متعددة بالضرورة متعارضة : أليس يحدث ان هواء بعينه يرتعش منه الواحد ولا يرتعش الآخر ، ويكون خفيفا على الواحد عنيفا على الآخر « 1 » ؟ فيعلق أفلاطون قائلا : « حسب رأي بروتاغوراس لا يوجد شيء هو واحد في ذاته وبذاته ، ولا يوجد شيء يمكن ان يسمى أو ان يوصف بالضبط . . . لأن كل شيء في تحول مستمر » وعلى ذلك تبطل الحقيقة المطلقة ، ويمتنع الخطأ . غورغياس ( 480 - 375 ) : أصله من صقلية ، قدم اثينا سنة 427 . وضع كتابا في « اللاوجود » ، وتتلخص أقواله في قضايا ثلاث : 1 - لا يوجد شيء ، 2 - إذا كان هناك شيء فالإنسان قاصر عن ادراكه ، 3 - إذا فرضنا ان انسانا ادركه فلن يستطيع ان يبلغه لغيره من الناس . وشرح هذه القضايا هو : 1 - اللاوجود غير موجود من حيث إنه لا وجود . - والوجود اما ان يكون قديما أو حادثا : فإن كان قديما فهذا يعني ان ليس له مبدأ ، وانه لا متناه ، ولكنه محوى في مكان ، فيلزم ان مكانه مغاير له وأعظم منه ، وهذا يناقض كونه لا متناهيا ، واذن فليس الوجود قديما . اما ان كان حادثا ، فاما ان يكون قد حدث بفعل شيء

--> ( 1 ) لهذا دعا الاسلاميون مذهبه « بالعندية » : رأى كل فرد حق « عنده » وبالقياس اليه .