أبو نصر الفارابي
49
الجمع بين رأيي الحكيمين
الإسكندرية إلى أنطاكية ، وبقي بها زمنا طويلا ، إلى أن بقي معلم واحد ، فتعلم منه رجلان ، وخرجا ومعهما الكتب . فكان أحدهما من أهل حران والآخر من أهل مرو « 1 » . فاما الذي من أهل مرو فتعلم منه رجلان : أحدهما إبراهيم المروزي والآخر يوحنا ابن حيلان ( وقال الفارابي انه تعلم من يوحنا بن حيلان إلى آخر كتاب البرهان ) . وتعلم من الحراني : إسرائيل الأسقف ، وقويرى ( الذي ارتحل إلى بغداد في خلافة المعتضد : 892 - 902 م ) فتشاغل إسرائيل بالدين ، واخذ قويرى في التعليم . واما يوحنا بن حيلان فإنه تشاغل أيضا بدينه . وانحدر إبراهيم المروزي إلى بغداد ، فأقام فيها . وتعلم من المروزي متى بن يونان ( هو أبو بشر متى ، وكان نسطوريا ) . » قد تمثلت مدرسة بغداد في اشخاص ، لا في معاهد تعليم ، اشخاص كانوا يتلقون العلم لا حق عن سابق ، ويعترفون بالرئاسة لابرعهم علما ، وينصرفون إلى النقل والتفسير والتأليف . بجانب هذه المدارس التي غلب عليها الطابع الديني والفلسفي ، قامت مدارس تخصصت في العلوم لا سيما الطب والفلك والتنجيم والرياضيات ، نذكر منها : مدرسة جنديسابور : وهي مدينة في خوزستان بناها سابور الأول ( 241 - 272 م ) الساساني ليأوى فيها اسرى الروم ، الامر الذي جعل العلم اليوناني ينتشر فيها . ثم شيّد فيها كسرى أنوشروان ( 531 - 579 م ) بيمارستان ( مستشفى ) حيث كان يدرس الطب ويعالج المرضى . وأول من بدأ بتعليم الطب أطباء يونانيون ، ثم انضم إليهم أطباء من الهند . ثم أصبح اشهر أساتذتها من النساطرة وأصبح التعليم بالسريانية . وقد استولى العرب على هذه المدينة عام 738 م ولكن المدرسة ظلت تؤدي عملها حتى العهد العباسي . وقد اشتهر حينئذ آل بختيشوع « 2 » فاستقدمهم الخلفاء واتخذوهم أطباء لهم
--> ( 1 ) كانت مرو عاصمة خراسان . ( 2 ) قال ابن أبي اصيبعة : « معنى بختيشوع عبد المسيح ، لان في اللغة السريانية البخت العبد » ( وفي الفارسية البخت معناها الحظ والسعد ) . آل بختيشوع نساطرة ، اشتهر منهم في الطب في العصر العباسي : أ - جورجيس بن بختيشوع ، طبيب المنصور ، استقدمه الخليفة من جنديسابور حيث كان على رأس البيمارستان . لما مرض المنصور بالمعدة أشاروا عليه بجورجيس ، فجاء ومعه تلميذه عيسى بن شهلاثا . وبعد ما نجح في تطبيب المنصور وتقدم في السن استأذن الخليفة في العودة إلى بلده ( عام 769 م ) وترك تلميذه طبيبا عند الخليفة . لجورجيس مؤلف في الطب ترجمه حنين بن إسحاق من السرياني إلى العربي . ب - بختيشوع بن جورجيس السابق : طبيب الرشيد ، استقدمه الخليفة من جنديسابور ليعالجه من الصداع وذلك عام 171 ه / 787 م . ولما مات أوصى الخليفة بابنه . ج . - جبرائيل بن بختيشوع الذي أصبح طبيب الخليفة المأمون ، ه - بختيشوع بن جبرائيل طبيب الواثق والمتوكل . يقول ابن أبي اصيبعة : « ونقل حنين بن إسحاق لبختيشوع بن جبرائيل كتبا كثيرة من كتب جالينوس إلى اللغة السريانية والعربية » .