أبو نصر الفارابي

50

الجمع بين رأيي الحكيمين

وتعاونوا بهم لتعليم الطب في بغداد . واشتهر أيضا في الطب في هذه المدرسة يوحنا بن ماسويه ( المتوفي عام 242 ه 857 م ) « 1 » . مدرسة حران : مدينة في الجزيرة « 2 » لقد سكن ، في عهد الإسكندر ، كثير من المقدونيين هذا الجزء الشمالي للعراق ، وكان من اثر ذلك في حران ان الآلهة المعبودة عند الحرانيين اتخذت أسماء يونانية . وفي أولى عهد النصرانية كان شمالي العراق ومنه حران يسكنه السريانيون وكثير من المقدونيين والاغريقيين والأرمن والعرب . ولما قويت المسيحية وأصبحت دين الرومانيين الرسمي ، حاولوا ان يضغطوا على الحرانيين ليتنصروا ، فلم ينجحوا . ومن اجل ذلك كان رجال الكنيسة يطلقون على حران مدينة الوثنيين « هيلينوبوليس » . وظلت حران يهرب إليها الذين لم يشاءوا ان يدخلوا في النصرانية من اليونانيين وغيرهم . ويظهر ان دينهم كان مزيجا من الديانات البابلية واليونانية القديمة والأفلاطونية الحديثة ، عرف بعد ذلك بدين الصابئة في عهد المأمون ، تسموا بهذا الاسم لينجوا من القتل « 3 » .

--> ( 1 ) يوحنا بن ماسويه ( * 242 ه - 857 م ) طبيب ماهر ، هاجر من جنديسابور إلى بغداد ، وطلب منه الرشيد ترجمة الكتب القديمة التي كانت قد جمعت من البلاد التي فتحها العرب . خدم الرشيد والأمين والمأمون الذي عينه رئيسا لبيت الحكمة عام 215 ه / 830 م ، وتتلمذ حنين بن إسحاق عليه . أكثر تآليف ابن ماسويه في الطب ، ويذكر له كتب في البرهان ( المنطق ) وكان يوحنا مسيحيا سريانيا . ( 2 ) حران مدينة في الجزيرة شمالي العراق ، تقع بين الرها ورأس العين ، وهي مدينة قديمة . ( 3 ) يروي ابن النديم في « الفهرست » : « ان المأمون اجتاز في آخر أيامه ديار مضر ، يريد بلاد الروم للغزو ، فتلقاه الناس يدعون له ، وفيهم جماعة من الحرانيين ( الحرنانيين ) ؛ وكان زيهم إذ ذاك لبس الأقبية ، وشعورهم طويلة بوفرات . . . فأنكر المأمون زيهم ، وقال لهم من أنتم من الذمة ؟ فقالوا : نحن الحرنانية . فقال : انصارى أنتم ؟ قالوا : لا . قال : فيهود أنتم ؟ قالوا : لا . قال : فمجوس أنتم ؟ قالوا : لا . قال لهم : أفلكم كتاب أم نبي ؟ فجمجموا في القول . فقال لهم : فأنتم إذا الزنادقة ، عبدة الأوثان ، وأصحاب الرأس في أيام الرشيد والدي . وأنتم حلال دماؤكم ، لا ذمة لكم . فقالوا : نحن نؤدي الجزية . فقال لهم : انما تؤخذ الجزية ممن خالف الإسلام من أهل الأديان الذين ذكرهم اللّه عز وجل في كتابه ، ولهم كتاب وصالحه المسلمون عن ذلك ، فأنتم ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء ، فاختاروا الآن أحد امرين : اما ان تنتحلوا دين الإسلام أو دينا من الأديان التي ذكرها اللّه في كتابه ، والّا قتلتكم عن آخركم . فاني قد أنذرتكم إلى أن ارجع من سفرتي هذه ، فان أنتم دخلتم في الإسلام أو في دين من هذه الأديان التي ذكرها اللّه في كتابه ، والّا أمرت بقتلكم واستئصال شأفتكم . - ورحل المأمون يريد بلد الروم . فغيروا زيهم ، وحلقوا شعورهم ، وتركوا لبس الأقبية ، وتنصر كثير منهم ، ولبسوا زنانير ، واسلم منهم طائفة ، وبقي منهم شرذمة بحالهم ، وجعلوا يحتالون ويضطربون حتى انتدب لهم شيخ من أهل حران فقيه ، فقال لهم : قد وجدت لكم شيئا تنجون به وتسلمون من القتل . فحملوا اليه مالا عظيما من بيت مالهم ، أحدثوه منذ أيام الرشيد إلى هذه الغاية ، واعدوه للنوائب . وانا اشرح لك ، أيدك اللّه ، السبب في ذلك . فقال لهم : إذا رجع المأمون من سفره ، فقولوا له : نحن الصابئون . فهذا اسم دين قد ذكره اللّه جل اسمه في القران . فانتحلوه ، فأنتم تنجون به . وقضى ان المأمون توفي في سفرته تلك بالبذندون . وانتحلوا هذا الاسم منذ ذلك الوقت ، لأنه لم يكن بحران ونواحيها قوم يسمون بالصابئة . فلما اتصل بهم وفاة المأمون ارتد أكثر من كان تنصر منهم ، ورجع إلى الحرنانية ، وطولوا شعورهم حسب ما كانوا عليه قبل مرور المأمون بهم ، على أنهم صابئون ، ومنعهم المسلمون من لبس الأقبية ، لأنه من لبس أصحاب السلطان ، ومن اسلم منهم لم يمكنه الارتداد خوفا من أن يقتل . فأقاموا متسترين بالاسلام . فكانوا يتزوجون بنساء حرانيات ، ويجعلون الولد الذكر مسلما والأنثى حرنانية » ( الفهرست ص 445 و 446 ) . وصابئة حران اذن غير الصابئة الذين ذكرهم القرآن .