أبو نصر الفارابي
10
الجمع بين رأيي الحكيمين
عظيمة ، وأشباح اشخاص وأشياء تمرّ وراءهم . ولما كانوا لم يروا في حياتهم سوى الأشباح ، فإنهم يتوهمونها أعيانا . فإذا أطلقنا أحدهم وادرنا وجهه للنار فجأة ، فإنه ينبهر ويتحسر على مقامه المظلم ، ويعتقد ان العالم الحق معرفة الأشباح . ثم يفيق من ذهوله وينظر إلى الأشياء في ضوء الليل الباهت ، أو إلى صورها المنعكسة في الماء ، حتى تعتاد عيناه ضوء النهار ويستطيع ان ينظر إلى الأشياء أنفسها ثم إلى الشمس مصدر كل نور . فالكهف هو العالم المحسوس ، وادراك الأشباح المعرفة الحسيّة ، والخلاص من الجمود إزاء الأشباح يتم بالجدل ، والأشياء المرئية في الليل أو في الماء الأنواع والأجناس والاشكال ، اي الأمور الدائمة في هذه الدنيا . فالأشياء الحقيقية المثل ، والنار ضوء الشمس ، والشمس مثال الخير ارفع المثل ومصدر الوجود والكمال . فالفيلسوف الحق هو الذي يميز بين الأشياء المشاركة ومثلها ، ويجاوز المحسوس المتغير إلى نموذجه الدائم ، ويؤثر الحركة على الظن فيتعلق بالخير بالذات والجمال بالذات . الوجود اللّه : يبرهن أفلاطون على وجود اللّه بواسطة الحركة والنظام . ويميز أفلاطون سبع حركات : حركة من يمين إلى يسار ، ومن يسار إلى يمين ، ومن امام إلى خلف ، ومن خلف إلى امام ، ومن أعلى إلى أسفل ، ومن أسفل إلى أعلى ، وحركة دائرية . وحركة العالم دائرية منتظمة لا يستطيعها العالم بذاته ، فهي معلولة لعلة عاقلة ، وهذه العلة هي اللّه ، اعطى العالم حركة دائرية على نفسه وحرمه الحركات الست الأخرى ( وهي طبيعية فمنعه من أن يجري بها على غير هدى ( محاورة تيماوس 34 ( ا ) و 43 ( ب ) ) . اما بخصوص النظام فيقول ان العالم آية فنية غاية في الجمال ، ولا يمكن ان يكون النظام البادي فيما بين الأشياء بالاجمال ، وفيما بين اجزاء كل منها بالتفصيل ، نتيجة علل اتفاقية ، ولكنه صنع عقل كامل توخى الخير ورتّب كل شيء عن قصد . فيعرف أفلاطون اللّه بأنه روح عاقل ، محرك ، منظم ، جميل ، خير ، عادل ، كامل . وهو بسيط لا تنوّع فيه ، ثابت لا يتغير ، صادق لا يكذب ، ولا يتشكل اشكالا مختلفة ، كما صوره الشعراء . وهو كله في حاضر مستمر ، فان اقسام الزمان لا تلائم الّا المحسوس ونحن حينما نضيف الماضي والمستقبل إلى الجوهر الدائم فنقول كان وسيكون ، ندل على اننا نجهل طبيعته ، إذ لا يلائمه سوى الحاضر . وهو معني بالعالم .