أبو نصر الفارابي

9

الجمع بين رأيي الحكيمين

من المادة « يشارك » في واحد من تلك الموجودات المجردة ، فيتشبه به ويحصل على شيء من كماله ويسمى باسمه . فالموجودات المجردة « مُثُل » الأجسام ( أحدها « مثال » ) يؤلف مجموعها « العالم المعقول » ، كما أن مجموع الأجسام يؤلف العالم المحسوس . والمثال هو الموجود بذاته ، فإذا تحدثنا عنه قلنا « الانسان بالذات ، والماء بالذات والعدالة بالذات » إلى غير ذلك . اما الجسم فشبه له وصورة زائلة . وكما أن الأجسام مترتبة بعضها فوق بعض في أنواع وأجناس ، فكذلك المثل حتى تنتهي إلى واحد يدعوه أفلاطون تارة مثال الخير ، ليدل على أن الخيرية مبدأ الايجاد والفيض ، وأخرى بمثال الجمال ليدل على أن غايتنا القصوى ليست في الجمالات الناقصة الزائلة بل في الجمال بالذات الكامل الدائم ، وثالثة بالصانع يقصد به موجودا خيرا بالذات أراد ان يفيض خيريته فنظم المادة المضطربة محتذيا المثل ، فكان منها هذا العالم المنسجم الجميل . والثلاثة مرادفة للّه . كيف عرفنا العالم المعقول : ان شيئا من التأمل يدلنا على اننا نستكشف المثل في النفس بالتفكير . وما علينا الّا ان نجرّب الامر في فتى لم يتلقّ الهندسة ، نجده يجيب عن الأسئلة إجابة محكمة ويستخرج من نفسه مبادئ هذا العلم . فإذا كنا نستطيع ان نستخرج من أنفسنا معارف لم يلقنها لنا أحد ، فلا بد أن تكون كامنة في النفس ، ولما كانت النفس لم تكتسبها من عالم المحسوسات ، فلا بد أن تكون قد اكتسبتها في حياة سابقة على الحياة الراهنة . فكلما أدركت أشباحها بالحواس تذكرتها وحكمت بها على تلك الأشباح . بذلك يفسر اكتسابنا للعلم بالاتصال بين المعقول والمحسوس في النفس ، فالعلم تذكر المثل ، والجهل نسيانها . وفعلا يقول أفلاطون ان النفس كانت أول امرها في العالم المعقول خالصة من الجسم والمادة ، تشاهد المثل في صحبة الآلهة ، ثم ارتكبت اثما فكان عقابها الهبوط إلى الجسم ، فغشت كثافة مادته على بصيرتها وانستها علمها ، غير أن الحواس إذ تظهرها على الجزئيات تنبه فيها علمها القديم وتستحثها على استكماله . قصة الكهف : هذا العالم المعقول مثلنا معه مثل أناس وضعوا في كهف منذ الطفولة ، وأوثقوا بسلاسل ثقيلة بحيث لا يستطيعون نهوضا ولا مشيا ولا تلفتا ، وأديرت وجوههم إلى داخل الكهف ، فلا يملكون النظر الّا امامهم مباشرة ، فيرون على الجدار ضوء نار