أبو نصر الفارابي

102

الجمع بين رأيي الحكيمين

بين في كتاب « اثولوجيا » ان الواحد موجود في كل كثرة ، لان كل كثرة لا يوجد فيها الواحد لا يتناهى ابدا البتة . وبرهن على ذلك براهين واضحة ، مثل قوله ان كل واحد من اجزاء « 185 » الكثير ، اما ان يكون واحدا واما ان لا يكون واحدا ، فإن لم يكن واحدا لم يخل من أن يكون اما كثيرا واما لا شيء « 186 » ؛ وان كان لا شيء لزم ان لا « 187 » يجتمع منها كثرة ، وان كان كثيرا فما الفرق بينه وبين الكثرة ؟ ويلزم أيضا من ذلك ان ما ( لا ) يتناهى أكثر مما لا يتناهى . ثم بيّن ان ما يوجد فيه الواحد من هذا العالم فهو « 188 » لا واحد الا بجهة وجهة ؛ فإذا لم يكن في الحقيقة واحدا ، بل كان كل واحد « 189 » فيه موجودا ، كان الواحد غيره وهو غير الواحد . ثم بيّن ان الواحد الحق هو الذي أفاد سائر الموجودات الواحدية . ثم بيّن ان الكثير بعد الواحد ، لا محالة . وان الواحد تقدّم الكثرة . ثم بيّن ان كل كثرة تقرب من الواحد الحق كان أول كل كثرة مما يبعد عنه ؛ وكذلك بالعكس . ثم يترقى ، بعد تقديمه هذه المقدمات ، إلى القول في اجزاء العالم ، الجسمانية منها والروحانية ؛ ويبين بيانا شافيا انها كلها حدثت عن ابداع الباري لها ؛ وانه ، عز وجل ، هو العلة الفاعلة ، الواحد الحق ، ومبدع كل شيء ، على حسب ما بيّنه أفلاطون في كتبه في الربوبية ، مثل « طيماوس » و « بوليطيا » وغير ذلك من سائر أقاويله . وأيضا فان « حروف « 190 » ارسطوطاليس فيما بعد الطبيعة » انما يترقى فيها من الباري ، جل جلاله ، في حرف « اللام » ، ثم ينحرف راجعا في بيان صحة ما تقدم من تلك المقدمات ، إلى أن يسبق فيها ، وذلك مما لا يعلم أنه يسبقه اليه من قبله ولم يلحقه من بعده إلى يومنا هذا . فهل تظن بمن هذا سبيله انه يعتقد نفي الصانع وقدم العالم ؟ ولا مونيوس « 191 » رسالة مفردة في ذكر أقاويل هذين الحكيمين في اثبات الصانع ، استغنينا « 192 » ، لشهرتها ، عن احضارنا إياها في هذا الموضوع . ولولا ان هذا الطريق الذي يسلكه في هذه المقالة هو الطريق الأوسط ، فمتى « 193 » ما تنكّبناه كنا كمن ينهى عن خلق ويأتي بمثله ؛ لا فرطنا في القول وبيّنا انه ليس لأحد من أهل المذاهب والنحل والشرائع وسائر الطرائق ، من العلم بحدوث العالم واثبات

--> ( 185 ) « ا » اجزاء ؛ « ب » اجزائه . ( 186 ) « ا » لا شيئا ؛ « ب » لا شيء . ( 187 ) « ب » ناقص [ لا ] . ( 188 ) « ا » فهو واحد ولا واحد ؛ « ب » وهو واحد ولا حد ؛ « د » فهو لا واحد . ( 189 ) « ا » « ب » الواحد ؛ « د » كل واحد . ( 190 ) « ا » حروف ؛ « د » حرف ؛ « ب » ناقص [ حرف ] . ( 191 ) « ا » « ب » ولا يونيوس ؛ « د » ولا مونيوس . ( 192 ) « ا » استغنينا ؛ « ب » استغناء . ( 193 ) « ا » فمتى ما ؛ « ب » وما .