أبو نصر الفارابي
103
الجمع بين رأيي الحكيمين
الصانع له وتلخيص امر الابداع ، ما لارسطوطاليس ، وقبله لافلاطون ، ولمن يسلك سبيلهما . وذلك ان كل ما يوجد من أقاويل العلماء ، من سائر المذاهب والنحل ، ليس يدل على التفضيل الا على قدم الطبيعة وبقائها « 194 » . ومن احبّ الوقوف على ذلك ، فلينظر في الكتب المصنفة في المبدءات والاخبار المرويّة فيها ، والآثار المحكيّة عن قدمائهم ، ليرى الأعاجيب عن قولهم بأنه كان في الأصل ماء ، فتحرك ، واجتمع زبد « 195 » ، وانعقد منه الأرض ، وارتفع منه الدخان ، وانتظم منه السماء . ثم ما يقوله اليهود والمجوس وسائر الأمم ، مما يدل جميعه على الاستحالات والتغاير ، التي هي اضداد الابداع . وما يوجد لجميعهم مما سيؤول اليه امر السماوات والأرضين من طيها « 196 » ولفها « 197 » وطرحها في جهنم وتبديدها « 198 » ؛ وما أشبه ذلك مما لا يدل شيء منه علي التلاشي المحض . ولولا ما انقذ اللّه أهل العقول والأذهان بهذين الحكيمين ، ومن سلك سبيلهما ممن وضّحوا امر الابداع بحجج واضحة مقنعة ، وانه ايجاد الشيء لا عن شيء ، وان كل ما يتكوّن من شيء ما فإنه يفسد ، لا محالة ، إلى ذلك الشيء ؛ والعالم مبدع من غير شيء ، فمآله إلى غير شيء ؛ فيما شاكل ذلك من الدلائل والحجج والبراهين التي توجد كتبهما مملوّة منها ، وخصوصا ما لهما في الربوبية وفي مبادئ الطبيعة ، لكان الناس في حيرة ولبس . غير أن لنا في هذا الباب طريقا نسلكه يتبين به امر تلك الأقاويل الشرعية ، وانها على « 199 » غاية السداد والصواب : وهو ان الباري ، جل جلاله ، مدبر جميع العالم ، لا يعزب عنه مثقال حبة من خردل ، ولا يفوت عنايته شيء من اجزاء العالم ، على سبيل الذي بيناه في العناية ، من أن العناية الكلية شائعة في الجزئيات ، وان كل شيء من اجزاء العالم وأحواله موضوع با وقف المواضع واتقنها ، على ما يدل عليه كتب التشريحات ومنافع الأعضاء وما أشبهها من الأقاويل الطبيعية ، وكل امر من الأمور التي بها قوامه موكول إلى من يقوم بها ضرورة على غاية الاتقان والاحكام إلى أن يترقى من الاجزاء الطبيعية إلى البرهانيات والسياسيات والشرعيات . والبرهانيات موكولة إلى أصحاب الأذهان الصافية والعقول المستقيمة ، والسياسيات موكولة « 200 » إلى ذوي الآراء « 201 » السديدة ؛
--> ( 194 ) « ا » وبقائها ؛ « ب » ونقاب . ( 195 ) « ا » زيد ؛ « ب » الزيد . ( 196 ) « ا » مطيها ؛ « ب » طيها . ( 197 ) « ا » ولفها ؛ « ب » ونشفها . ( 198 ) « ا » وتبديدها ؛ « ب » وبدليل . ( 199 ) « ب » ناقص [ على ] . ( 200 ) « ا » موكولة ؛ « ب » ناقص [ موكولة ] . ( 201 ) « ب » ناقص [ الآراء . . . إلى ذوي ] .