أرسطو

39

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

ميلنا الطبعي إياها ، ولكنه أراد أن يرينا أين توجد في الحقيقة . يجب على الانسان أن يحرس ناصحيه الغشومين اللذين هما في باطنه : اللذة والألم وما معهما من الآمال والمخاوف التي تصاحبهما ، فلا ينبغي له أن يصغى إليهما إلا في حدود الاعتدال . إن هما إلا ينبوعان بثقهما الطبع فلا يزالان يجريان بلا انقطاع ، فأيّما كان من مملكة أو فرد عرف أن يغترف منهما بالقدر اللائق ، وفي المكان والزمان اللائقين ، فهو سعيد ، وأيما كان على ضدّ ذلك ، بحيث ينضح منهما بلا تمييز ولا تناسب فهو شقى . الخير الأكمل كما عرفه أفلاطون في كتابه « فيليب » أو « اللذة » ليس كله في العقل ولا في اللذة ، بل هو في مزيج منهما جميعا . ونسبته فيهما مما يدق تعيينه ، لكن الفيلسوف مع تقييده للذة لا يريد إهدارها كما حاولت مذاهب الغلاة من بعده بزمان ، فان لديه سعادة العيش وشقاءه مسئلة كبرى ليس عنده همّ أشد من حلها على الوجه الحسن ، لذلك كان شديد الرغبة في أن يبين أن الفضيلة لا يقصر شأنها عن أن تكون أجمل شئ في ذاتها ، كما هو مسلم به ، إلا عند العقول المريضة ، بل هي أيضا أنفع وأسعد ما يكون . تلك هي نقطة من الأهمية بأعلى مكان . ولما كانت شرائط الفضيلة في هذه الدنيا لا تتغير ، كان توضيح سقراط إياها يهمنا كما يهمّ معاصريه تماما ، فإننا لا نزال نشكو من المحن المؤلمة للفضيلة كما كانوا يشكون . وإليك ما ارتأته نفس الحكيم الكبيرة التي زهقت فريسة الظلم الصارخ . إنه يستشهد فيها التجربة . أجل ، متى أراد المرء تذوّق الفضيلة والتزامها « 1 » منذ حداثة سنة ، لا يتركها كما يفعل المرتد عن مذهبه ، فإنها تقرّ في القلب . أجل إنها تولد

--> ( 1 ) أفلاطون - القوانين ك 1 ص 33 و 53 - فيليب كل المحاورة - الجمهورية ك 9 ص 200 - القوانين ك 5 ص 267