أرسطو

29

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

وانى - وأنا آخذ علم الأخلاق أنّى وجدته في قلوب الصالحين - أعلم حق العلم أن هؤلاء أيضا لم يبدعوه بأنفسهم بل تلقوا كثيرا من هذا الميراث الشريف عن الأجيال التي نقلته لهم . وأعتقد إذن أنه على هذا المقياس يمكن الحكم بالعدل على المذاهب المختلفة المسطورة في تاريخ الفلسفة ، وأنه بمقارنتها بالمثل الأعلى لهذا العلم على نقصه يمكن الحكم بالعدل والضبط على ما تساويه تلك المذاهب . فإنها كلها قد شاطرت في إبلاغ العلم إلى حيث هو الآن . وما هو إلا ضرب من الاعتراف بالجميل أن نعين لكل مذهب نصيبه من هذا العمل المشترك . وحسبنا في هذا الصدد أن نذكر أفلاطون وأرسطو و « كنت » لأنهم الأكابر وأضيف إليهم أيضا الرواقية التي يمكن أن توازيهم متى كانت لا تتقدمهم ، لكنها خالية من التحرّج العلمي المطلوب ، لأنها ليست شخصية . فمن أربعة المذاهب ، لليونان وحدها ثلاثة ، والأزمان الحديثة ليس لها إلا مذهب واحد . ليس هذا محلا للعجب فان العقل اليوناني في هذه الأشياء له فضل الارتقاء على عقلنا وفضل تثقيفه ، فلنتقبل هذه النعمة وكثيرا غيرها كما يتقبل الأبناء الشاكرون ، ولنعرف كيف نستثمرها دون أن نغار من تلك الأم المنعمة . هذه المذاهب الأربعة كلها مطابقة على نسب مختلفة لقانون الأخلاق على ما رسمناه . إنها أصدقاء أوفياء للخير وللفضيلة ، ولم يعدّ الواجب من بين نصرائه أشهر منها . فهي تتشابه إذن من هذا الوجه إذا تغايرت من وجوه أخرى . وما هي إلا تراجيع مختلفة الرنّانية قلة أو كثرة لفكرة واحدة . فعلام نقطع هذا الوصل ونودي بهذا التوافق النغمى الذي كان جم العائدة على النوع الانساني ، بأن ندخل بينها المذاهب المضادّة ؟ وفيم نشرّف المذاهب الفاسدة بأن نفندها ؟ فان الناس حين يرزقون حب الخير والشغف به عن تمييز ، يرزقون في آن واحد كره الشر الذي نسبق قلوبهم إلى دفعه