أرسطو

30

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

بمحض الغريزة ، والذي تميزه عقولهم المستنيرة وتحكم عليه لا له . فلا شك في أنه يمكن أن يترك إلى جانب « أرستيب » ، و « ديوجين » نفسه و « أبيقور » و « هلقسيوس » في معرض ايمان سقراط وأفلاطون و « مارك أوريل » و « كنت » على أن المذاهب التي تدعو إلى الرذيلة في صورة اللذة أو السعادة قد كان لها مع ذلك من التأثير أقل مما يظن فليست هي التي أنشأت فساد الزمن الذي ظهرت فيه ، بل زادته انتشارا بترويجها إياه . هذا ما لا شك فيه . غير أنه إذا أنعم النظر في الأشياء ، يرى أن هذه المذاهب تجد في ميول الإنسان الطبعية من النصرة أقل مما تجد من العقبات ، وأن القلوب القليلة التي تفسدها قد كان شطرها فاسدا من قبل أن تعبث بها . وضلالات هذه المذاهب ظاهرة بارزة قد يكون من غير النافع تبيينها ، والأحسن فيما أظن أن يلتزم في حقها جانب السكوت العادل المزرى بها . وليس الأمر كذلك في حق الأغلاط التي ارتكبها أيضا أولئك الرجال العظام الذين هم محل احترامنا . فإنها لكونها صادرة عنهم هي في الحقيقة قليلة الخطر ، ولكنها تشوه جمال مذاهبهم وتزرى بالكمال الذي ينشدونه . فيحسن أن ينفى عنهم إذا أمكن حتى تلك النكت الخفيفة ، لكي يظهر قانون الأخلاق في صفائه التام الذي هو آكد وسيلة له في اكتساب القلوب . ولقد صدق « كنت » إذ يقول « 1 » : ان السبب الغالب في أن كتب علم الأخلاق قليل تذوّقها وقراءتها أنها ليست صريحة إلى حدّ الكفاية . يظن الأخلاقيون من الحذق ترك تمثيل الواجب أمام الناس بكل ما هو عليه من زهادة وعظمة ، فيفشلون بهذه المداراة غير النافعة التي لا يفهمها الضمير . على ذلك يكون أنفع لعلم الأخلاق في عرض المذاهب أن لا ينعم النظر إلا في القواعد الطاهرة لأحاسنها . وأما الباقي فإنه لا يستحق أن ينظر اليه .

--> ( 1 ) ر . كنت . أسس ميتافيزيقا الأخلاق ص 41 الترجمة الفرنسية لموسيو برنى .