أرسطو

25

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

أيضا ميدان التقاتل في النظريات وفي العمليات ، فان الفرد يأتي الشر على العموم إما عن عدم التفات وإما عن جهل ، ولا يكاد يقارف الإثم أبدا بعد تدبر وروية عالما بأنه يرتكبه وان كان من الطبائع ما هو من الشقاوة بحيث إن أجمل مواهبها لا تخدم إلا الرذيلة . غير أنه في العلم لا عذر بالجهل ولا بعدم الالتفات ، وإذا كان التسامح في ماجريات الحياة يلزم كثيرا حتى بالنسبة للجناة ، فإنه لا يلزم أبدا بالنسبة للنظريات الفاسدة ، بل يجب دحضها بلا شفقة وإيضاح خطئها ليقل خطرها . تجب مداعاتها أمام محكمة الضمير النزيهة وإدانتها نهائيا بلا استئناف . وليس بجانب نظرية الخير الذي هو الواجب الوحيد على الانسان إلا حل آخر ممكن وهو نظرية المنفعة مع ما يقترن بها من التيه والحنايا التي تتشعب فيها شخصيتها وتضل طريقها . فان المنفعة تظهر على صور عديدة . تظهر أوّلا على صورة من الخشونة بمكان ، وتلك الصورة هي الثروة مع كل الخيرات الثانوية التي تؤلفها ، ثم على صورة مصقولة نوعا وهي صورة اللذة مع جواذبها التي لا تقاوم ، ثم على صورة أقل تعينا وأكثر قبولا تبدو في رواء حسن خدّاع وهي السعادة . إنه يجب على القانون الأخلاقي ، وبالنتيجة أيضا على علم الأخلاق أن ينكر المنفعة ويحاربها على أي شكل كانت عليه من الثروة أو من اللذة أو من السعادة نفسها ، وأن لا يقبل أي واحد من هذه العوامل على أنه عامل لسلوك الانسان . لا شك في أن هذه العوامل هي المتسلطة فعلا في الغالب ، بل قد يكون من الحسن أن تتسلط إلى حدّ معين ، ولكن ليس لواحد منها أن يدعى السلطة ، ولا أن يغتصب لنفسه السيادة دون مبدأ الخير صاحب السيادة وحده . ان قانون الأخلاق الذي تتمثله القلوب الجاهلة أو الضعيفة بألوان قاسية هكذا ، لكي تسهل مخالفته ، لا يحرم الانسان من الثروة