أرسطو

26

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

التي هي ثمرة عادية يستحقها لعمله ، ولا من اللذة وهي حاجة طبيعية له ، ولا من السعادة التي هي رائد جميع مجهوداته . ولكنه يهديه إلى أنه يجب عليه في بعض الحالات على ندرتها أن يضحى للخير بالثروة وباللذائذ وبالسعادة بل بالحياة ذاتها ، وأنه إذا لم يعرف أن يقرب هذا القربان ، فإنما هو يعبد الأصنام ولا يعبد اللّه الحق ، وأن هذه التضحيات على ندرتها عند الذي يفهمها تكفى لكشف القناع عن قانون الأخلاق في أسنى بهائه . وبما أن الخير هو الذي ينال الظفر عند أكبر المنازعات وأشدّها علانية ، يكون بذلك هو السيد الحقيقي للانسان ، ولا تكون جميع العوامل الأخرى المتولدة عن المنفعة على درجات مختلفة كالثروة واللذة والسعادة إلا كما يكون الطاغية الظالم لرعيته . على ذلك ليس في علم الأخلاق أعذار لهذه النظريات المنبوذة التي تضع المنفعة فوق الخير مهما كان ظاهرها جذابا ، ولا للنظريات الأخرى التي هي أقل منها إثما والتي ترمى إلى التوسط وترغب في التوفيق بين الخير وبين ما تسميه بالمنفعة المشروعة . فإنه إذا كانت المنفعة المشروعة هي الخير فعلام نستبدل كلمة خفية الدلالة أو على الأقل مبهمة بكلمة من البساطة والجلاء بموضع ؟ وكم من خطر في هذه التغايير التحكمية في الألفاظ كما نبه على ذلك « سيسيرون » منذ قريب من ألفي عام . ان المنفعة المشروعة هي « المنفعة » على كل حال . وتأويلها يمكن أن يتغير على الدوام ، لا بتغير الأشخاص فقط ، بل بتغير في الشخص الواحد نفسه ، فان المرء لا يستطيع أن يجد لمنفعته أصلا ثابتا لا يتغير مهما حاول أن يجعل منفعته مشروعة دائما . إذا كانت المنفعة المشروعة هي شيئا آخر غير الخير ، فالواجب إذن إهدارها أو على الأقل إنزالها منزلة التابع ، وحينئذ لا يمكن المنفعة المشروعة أن تكون أولى بالتسلط على الإنسان من المنفعة على معناها العامىّ غير المقيد بقيد المشروعية .