أرسطو
24
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
ذلك على التقريب مجموع علم الأخلاق والمسائل التي يجب عليه البحث في جميع تفاصيلها والإحاطة بها من جميع وجوهها . إنه يعلّم الانسان أين مصدر الخير والشر في نفسه ، فهو يربطه بذاته وبأمثاله وبالله تعالى بعرى لا انفصام لها . وغرضه أن لا يعلم الانسان الفضيلة بالضبط ، بل ما هي الفضيلة وما هي شروط اكتسابها . فان الفضيلة لا تكون إلا من القيام الفعلي بالواجب . ولا يكون المرء فاضلا لمجرّد انه يعلم ما يجب عمله ، بل فضله في أن يعمل ما يجب عليه ، وهو عالم - بوصف أنه مخلوق مفكر - لما ذا هو يفعل على هذا الوجه بعينه دون وجه آخر من وجوه الفعل . غير أن هدى الانسانية إلى خصائص الفضيلة ، وإيقافها بجلاء على الغاية الحتمية لجميع الأفعال الانسانية ، وتعيين الطرق الموصلة إلى هذه الغاية ، كل أولئك خدمة عظيمة . ولا محل للدهش مما تجزى به هذه الخدمة من الاحترام والمجد . ولقد يصعب التمييز بين المبادئ التي تتراءى على مسرح الحياة الدنيا ، وتتنازع قلوب الناس ، لأنها في الغالب غامضة ومريبة حتى بالنسبة لأولى الأبصار . أما على مسرح الضمير ، فان تلك المبادئ ظاهرة بلألاء ساطع لا يعتريه محاق إلا من مرض القلب وعمايته . إن النقطة الأساسية لهذا العلم هي أنه يبين للانسان أن قانونه هو عمل الخير دائما مهما وقف في طريقه من العقبات التي يسببها تعقد الأشياء الانسانية ، وأن عمل الخير إنما هو طاعة لا محدودة ولا مقرونة بالتذمر مع استسلام ، بل مع ثبات وبسالة إذا اقتضى الحال ذلك . طاعة لأوامر العقل المنشورة في الضمير ، والتي قبلتها إرادة لها من سلاسة القياد ما لها من حدّة الذكاء . تلك الأوامر التي يمكن أن تتمثل أمام الشخص بأنها أوامر اللّه . ذلك هو مركز الحياة كما هو مركز العلم ، ولكنه مع ذلك