أرسطو
17
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
ما تحققت الصداقة . ولأجل أن تكون مسألة جدّية خالدة تحتاج إلى قانون الأخلاق بمقدار حاجة الجمعية اليه . من ذلك أيضا هذه الجاذبية التي تجمع بين إنسانين مختلفي الجنس وتجعل بينهما ائتلافا حقيقيا قد يكون العشق نفسه عاجزا عن عقده بهذه المتانة ، ذلك لأن الإنسان يحب القانون الأخلاقي الذي ألقى اليه الطاعة ، فيحب جميع الذين يتعاطون مثله تنفيذ هذا القانون عن قرب أو عن بعد على القدر الميسر لهم تنفيذه . قد أتيت في هذه الكلمات على الإلمام بدائرة علم الأخلاق كلها تقريبا من الضمير الشخصىّ الذي ينبعث منه القانون الذي يدبّر النفس الإنسانية ، إلى هذه الألفاف الكبرى التي تؤلف الجمعيات البشرية . ولكن قد يخدع نفسه الذي يعتقد أن علم الأخلاق لا يمتدّ أيضا إلى ما وراء ذلك . إنه يتناول ما هو أرقى . ولقد يزرى العقل بنفسه إذا هو وقف في نصف الطريق ، فان كل قانون يقتضى بالضرورة الكلية شارعا يشرعه ، والطاعة تقتضى السلطة بالضرورة . وإن يكن للعقل طريق أعمق ، فلا طريق آمن من هذا للوصول إلى اللّه ومعرفته وحبه . لا يمكن القوانين الإنسانية أن تكون أساسا لقانون الأخلاق ، لأنها تستمدّ منه ، وهو الذي يقضى عليها ويدينها حينما تنحرف عن جادة أوامره الواجبة الاتباع . كذلك التربية التي يتحدّى بها بعض الفلاسفة لا تفسر قانون الأخلاق الذي هو أكبر سلطانا عليها من القوانين العمومية . والواقع أن التربية مهما كانت ممتازة ، فليس لها من صورة إلا التشريع المسنون للطفل بدلا من أن يكون مسنونا للناس ، وهذا التشريع الضيق ليس له قواعد إلا التشاريع المدنية . فمن أي ناحية نظر إلى علم الأخلاق ، لم يوجد له من حيث أصله أثر بشرىّ . وانه ليدبر شؤون الإنسان ويلي أمره بسبب أنه ليس من عمله . ومتى أراد الانسان أن يدرس فيه سبل اللّه ، عرف منه بوضوح وجلاء أن اللّه قدير وأن اللّه لطيف .