أرسطو

18

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

في العالم المادّى بأسره مهما كان جميلا ومهما كان منتظما ، لا يجد المشاهد اليقظ شيئا يؤتينا أقل فكرة من قانون الأخلاق . وإن الآثار التي نصادفها أحيانا عند الحيوانات الأرقى تركيبا ونظنها آثارا لقانون الأخلاق ليست إلا تخيلات ، فإننا نعيرها ما نحن عليه . نفترض أن لها طبعنا إما لجهل منا قد يكون إثما متى كان يرمى إلى الخفض من مستوانا الانساني ، وإما لنوع من العطف التافه ، ولكن الحق أن قانون الأخلاق ليس له محل إلا قلب الانسان ، وأن الذي خلق العوالم والقوانين الأزلية التي تسيرها لم يخلق شيئا يضارع ضميرنا في العظم ، فان الحرية مع ما بها من ضعف هي أحسن من الطبيعة كلها مع ما بها من ثبات لا يتزعزع . بل إن المقارنة لا محل لها من الامكان لدى عقل قد فهم ذاته ، لأنها مقارنة سخيفة ، إذ أن رفعة العالم المعنوي لا تقاس بها رفعة على الاطلاق . وان قدرة اللّه تظهر حينئذ فينا بمظهر أجلى من مظاهرها في الخارج . وان في إقامة الدليل على وجود اللّه بهذا القانون الذي نحمله في قلوبنا وتعترف به عقولنا لبلوغا بالاستدلال إلى أجلّ البراهين وأرفعها . غير أن حلم اللّه يساوى على الأقل قدرته . تنظر في هذه القوانين غير الكاملة التي يسنها الناس مسوقين بدافع الحاجة لاستعمالها ، فترى دائما في أوامرها وزواجرها شيئا من الغلظة والوحشية ، حتى متى كانت غاية في العدل ، فان العقوبة التي تقع على المجرم يمكن أن تعدمه ولكنها لا تمس نفسه . تخيفه من غير أن تصلحه . الإرهاب يحوّله دون أن يحسن حاله . أما هنا فلا شئ من ذلك . في شرع اللّه المرء هو قاضى نفسه مؤقتا على الأقل . ومن أجل أنه يمكن أن يحكم على نفسه ، يمكنه أيضا أن يتقى الوقوع في الخطيئة التي يشعر بأنها كبيرة من الكبائر ، فان الصوت الذي يناجيه من داخل نفسه قد أنذره بادئ الأمر . إنه يمحض له النصح قبل أن يقرّعه باللوم .