أرسطو
16
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
ولكنها ليست إلا أدوات لغرض أسمى . ومهما يكن من قيمتها في ذاتها فإنها تصبح عديمة القيمة متى ووزنت بما يرجحها كثيرا في كفة الميزان . غير أن قانون الأخلاق ليس قانونا شخصيا بل هو قانون عام . قد يكون في ضمير أشدّ قوّة وأكثر وضوحا منه في ضمير آخر ، ولكنه موجود في كل الضمائر إلى درجة تختلف قوّة وضعفا . انه ليناجى جميع الناس بلهجة واحدة وان كانت أفئدتهم لا تصغى اليه على السواء . ينتج من ذلك أن قانون الأخلاق ليس فقط قاعدة للفرد بل هو أيضا العامل لوحدة الروابط الحقيقية التي تربط الفرد بأمثاله . لئن كانت الحاجات تقرب بين الناس فان المنافع تباعد بينهم إذا لم تكن تذكى بينهم نار الحرب . وأيّما جميعة قامت على الحاجات والمنافع فهي آئلة إلى تخاذل واضمحلال ، حتى المحبة العائلية نفسها التي تكفى لبدء العائلة قد لا تكفى البتة لحفظها . فلولا الاتحاد الأخلاقي لكانت الجمعية البشرية محالا . ربما يعيش الناس ألفافا كبعض أنواع الحيوانات ، ولكنه لا يمكن البتة أن تكون بينهم هذه العلاقات والروابط الخالدة التي تكوّن الشعوب والأمم بالحكومات القريبة من الكمال أو البعيدة عنه التي ترتبها لأنفسها وتبقى على ذلك قرونا . ذلك بأن الانسان يشعر أو يحدث نفسه أن غيره من الناس يفهمون أيضا قانون الأخلاق الذي هو نفسه خاضع له ، وعلى ذلك يمكنه أن يعاملهم . فإذا كان الطرفان لا يفهمانه ، فليس البتة علاقات ولا عقود ممكنة . من ذلك نشأت هذه الجاذبية الغريزية التي تجمع الناس وتجعل لحياتهم العمومية هذا البهاء ، حتى في الدائرة الواسعة دائرة الأمة . ومن ذلك أيضا نشأت تلك الجاذبية الأكثر حدّة من الأولى ، لأنها أوضح منها ، والتي تحكم هذه الأواصر الخصوصية التي يسمونها الصداقات . فلولا الاحترام المتبادل الذي يحمله قلبان لأنهما يخضعان لقانون واحد بفضيلة متساوية