أرسطو

12

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

إلى خدمة هذه الأوامر الداخلية ويخلص لتنفيذها في جميع امتداداتها من غير أدنى اعتبار للأشياء الخارجة وأن يكون دائما مستعدّا لأن يضحى لها بكل الضحايا التي تقتضيها . ذلك هو القانون الأعلى الذي يشعر الانسان بالخضوع له ولو أنه لا يعرف إلا نادرا أن ينفّذ مع التحرّج أحكامه الصارمة . ذلك هو المثل الأعلى الذي لا ينال والذي تتطلع إليه أنظار نفس الانسان . وإن كان يحيد عنه في الغالب إلا أن مرجعه إليه على الدوام . ذلك هو الأمر الواقع المسلم به الذي هو بسيط وجليل معا والذي يكوّن الأخلاقية كلها . هل الانسان وحده هو الذي يعرف هذا القانون ويملكه ؟ كل ما يهم من هذا هو أن الانسان يملكه حقا ، وذلك هو ما يميزه عن سائر الخليقة التي يعيش فيها والتي لا تتمتع بهذه الميزة . إلى هذا الأمر يضاف أمر آخر ليس أقلّ منه وضوحا ولا أقلّ منه عجبا . ان الانسان حيال هذا القانون الذي يناجى ضميره مناجاة علوّ وقدرة في بعض الأحيان يشعر دائما أنه يستطيع مقاومته ، فعبثا يوصيه هذا القانون أن يلزم العدل في فعله وعبثا يزكى العقل هذه الوصية ، فالإنسان قادر على أن يرفض تحت مسئوليته هذه النصائح القوية الحقة . ذلك لأن له بجانب ذكائه وعقله ملكة أخرى أقوى منهما بوجه ما ، لأنها تستطيع دائما - متى شاءت - أن تكسر نير طاعتها للعقل . تلك هي الإرادة التي لا تخضع لشئ إلا لنفسها . فوجود مثل هذه الملكة فينا وحلولها محلا من الاستقلال والسيادة في الدائرة الثانوية التي تخصها هو ما تستطيع اللاأدرية التحدّى به حينما تتهجم على الحق وعلى الذوق العام . غير أن ما نقوله هذا مجمع عليه من الجنس البشرى ، بل معترف به من جانب اللاأدرية نفسها ، إن لم يكن بأقوالها التي كان للسفسطة فيها شأن عظيم ، فبأفعالها التي منها ينبجس على رغمها وضوح المبدأ الذي