أرسطو

3

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

ضوء سريرته . حسبه مجدا أن يعرف كيف يضع نفسه في هذه المنزلة الرفيعة . فان استكشاف هذه الأسرار أسرار الحكمة خير وأبقى من حكم الدنيا بأسرها . ومتى فهمت حقيقة هذه الموضوعات الكبرى ، أمكن الاعتماد على الانسانية في أمر تنميتها بالتطبيقات ، وما تلك التطبيقات مما يعنى به الفيلسوف ، بل من المقرر أن الفيلسوف يخسر كثيرا بتعاطى السياسة العملية . وفي الحق أن أرسطو ما كان يستطيع أن ينفذ نظره في الخلائف من بعده ، ليرى أن كتابه بعد مدى عشرين قرنا قد انتفع به « بوسويه » في تربية وارث لويس الرابع عشر . وبقطع النظر عن كونه يستطيع أن يقدر لنفسه من المجد منزلة لا تنافر تواضعه ، فما كان عليه إلا أن يرجع نظره إلى الماضي لينظر كم اقتبس هو من أستاذه ، وكم اقتبس أستاذه هو أيضا من سقراط ، وكم من درس اقتطفه من أسلافهما الذين كان يستشهد بقواعدهم الحكيمة بغاية العطف والرعاية ، أكان يظن أنه بشخصه وبمجهوداته الخاصة يستطيع أن يبلغ بعلم الأخلاق هذه الدرجة العليا إذا لم يكن قد تلقى عن سابقيه ؟ لم تذهب إذن أعمال أسلافه سدى ، فعلام تضيع أعماله التي زادت عليها ونمتها بكل ما لعبقريته من قوّة ؟ وإذا كان فيثاغورس وسقراط وأفلاطون قد نفعوا أرسطو فكيف لا يكون هو كذلك في دوره نافعا لمن بعده ؟ لم يكن ليعلم أن سوف يكون ذات يوم مربى العقل البشرى كما كان مربيا لابن فيليپس . كلا إن من جحود القدر الذاتي أن يظن بنفسه أن سوف يبقى عقيما ، ولم يكن الماضي الذي يعلمه حق العلم إلا ضمينا له بالمستقبل ، ذلك المستقبل الذي كان يكل إليه في بعض الأحيان أن يتم ما بدأه ويفصّل ما أجمله .