أرسطو

4

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

إذا كان علم الأخلاق محكوما عليه بأن لا يتعاطاه إلا آحاد من الناس ، فإنه لا يكون بذلك مغبون الجانب أكثر من سائر العلوم الأخرى ، فان أقلها شرفا وأبسطها موضوعا ليس متداولا إلا بين عدد قليل من الناس ، ولو أن العلم على العموم ميسور التناول للكافة ، لكنه مع ذلك لا يزال ميزة محدودة أكثر الناس عنها مبعدون لأسباب مختلفة جدّا . وما علم الأخلاق بمستثنى من هذه القاعدة ، فإنه بطبعه يمكن أن يفهمه كل الناس ، وبأهميته يجب أن يعتنى بخدمته أكثر من غيره . ثم هو فوق هذا يجمع بموضوعاته بين اللذة والفائدة ، ومع ذلك فما أقلّ طلابه عددا في كل الأزمان ! وما كان أقلّ عدد القلوب التي استهواها ! حقا ان أكبر القلوب وأشرفها هي التي دخلت تحت قوانينه الصارمة . ولكن إذا رأى الناس - كما ظن أرسطو - أن العبرة بالعدد ، فلا جرم أن يحل القنوط محل الرجاء ، ويسقط القلم من بين أصابع الكاتب يأسا . على أنه إذا كانت العلوم الأخرى لا تملّ الكفاح ، ففيم يمل علم الأخلاق ؟ ألم يكن الغرض الذي يسعى اليه مساويا لغرض العلوم الأخرى ؟ أم العلم بما هي الفضيلة لا يساوى في جماله العلم بكيف يحيا الانسان وكيف يثرى ؟ ينبنى على هذا ان علم الأخلاق ضروري للعقل البشرى ، وواجب على الفلسفة . إنه ليس أكثر عقما من سائر العلوم الأخرى . وإنه كمثلها ينمو بالرقى التدريجي . وواضح أنه يفوقها جميعا بعظم موضوعه ، فإن لم يكن مطلوبا لدى العامّة ، فأن يتخذ ذلك تعزية أولى به من أن يتخذه محلا للشكوى . عسى أن تكون هذه الأفكار التي تصلح للرد على أفكار أرسطو نافعة لعلم الأخلاق في أيامنا ، فان علم الأخلاق أيضا قد تفتر عزيمته أحيانا ، ويشك في نفسه وقوّته تلقاء