أرسطو

2

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

ربما كان هذا ليس بالشيء القليل مهما كان تقدير الفيلسوف إياه ، فإنه لو لم يخلّص بكتابه إلا نفسا واحدة ، لما حق له أن يأسف على أنه كتبه . لما رأى أرسطو أن الجمهور من الجهل العضال بحيث « لا يستطيع العقل وحده أن يهديه ، وأنه لا يكاد ينزجر بأقسى المثلات » غلا بعض الشئ في مطاوعة اليأس ، حتى لقد يظن سامع قوله أنه كان يأسف على ما أنفق من تفكير ، وما سهر من ليال في كتاب ما كان ليقرأه من الناس إلا القليل ولا يعرف أن ينتفع به منهم إلا الأقل . أفيكون علم الأخلاق بصرف النظر عن هذا الحكم القاسى الذي أصدره عليه أحد أساتذته الأكرمين هو إلى هذا الحد باطل وعقيم ؟ أيجب عليه النزول عن عرشه ما دام أنه لا يحكم البتة على الجنس البشرى ؟ وهل ينبغي للفيلسوف أن ينصرف عن تفهم ذاته بحجة أنه ليس شارعا لأمة بأسرها ؟ هل يكف عن فحص طبعه الخاص بحجة أنه لا يستطيع تعليم الأمم ؟ ومع افتراض أن الناس يبقون عميا وأشرارا ، هل يجب على الفيلسوف أن يلبث مثلهم في الظلمات والرذيلة ؟ وهل يجب عليه أن يتخلى هو عن التفكير بحجة أن الناس ينقادون إلى غرائز كثيفة ؟ كلا ثم كلا . لو أنه هو وحده الذي يستفيد من أتعابه ، لكان واجبا عليه مع ذلك أن يخلص لها ويتابعها ، لا لأنه محظور عليه أن يفكر فيما يعود بالخير على أمثاله ، ويرجو بعمله أن ينير أفهامهم وإياه ، بل لأن هذا ليس مع ذلك موضوعه الأصلي ، فإنه لا ينبغي له أن يضع أمام نظره إلا الحق ، أعنى الحق المطلق ، أي بقطع النظر عن النتائج التي تنتج عنه مهما كانت حتى ولو غامر في سبيله بسلام الانسانية . فان العلم بما هو الانسان وبقانونه الأخلاقي في هذه الدنيا مسألة كبرى بذاتها لا حاجة إلى تعقيدها بمسائل ثانوية تحدها وتصغّر من قدرها ، حسب الفيلسوف أن يسبر غور هذه النظرية على