أرسطو

تصدير 36

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

العلمىّ هو المشاهدة أن يتخيل لكل فضيلة فضيلة صورة خيالية ليست قارّة أمامه في الوجود الحسىّ فيصفها دون أن يكون أمامه إنسان فاضل بعينه يصف صورته النفسية بل صورة شمائله وهيئته الحسية كما قد فعل . بل الراجح أن من يرسم صور أهل الفضيلة على هذا النحو من الضبط والتجويد حتى حركات النفس الحفية وميولها الدقيقة يكون إنما يصف نفسه ويستمليها ما يكتب . أضف إلى ذلك أن أرسطو أظهر في بعض مواضع من كتاب الأخلاق وعلى الخصوص في آخره نوعا من الشك في فائدة علم الأخلاق من جهة أنه علم إلا أن « يشدّ العزم من بعض فتيان كرام على الثبات في الخير ويجعل القلب الشريف بالفطرة صديقا للفضيلة وفيا بعهدها » . ولا يكون الشك في فائدة الأخلاق بالغا هذا المبلغ عند من استقى قواعده من النظر المجرّد وكتبها ثم راض نفسه على اعتناقها قانونا له وضابطا لسلوكه . إنما يتطرّق الشك بهذا القدر عند الفاضل التام الفضيلة الذي رأى أكثر الناس يجعل الفضيلة مسئلة لفظية يتكلمون بها في المجالس ويفيضون في تعيين حدودها وشرح آثارها ، وقلوبهم أبعد ما تكون عن اعتناقها والرضا بتكاليفها الشاقة ليظهروا بالفضل وليكسبوا ثناء الناس بغير استحقاق أو ليتخذوا حدود الفضيلة مقياسا يحكمون به على أفعال الأغيار لا على أفعالهم أنفسهم . رأى ذلك فألح في أن الفضيلة عملية لا نظرية محلها النفس التي تصدر عنها الأفعال لا الفم الذي تصدر منه الأقوال . رأى ذلك فتطرّق اليه نوع من اليأس في نفع الكتب والخطب إلا على القدر الذي ذكره . ومن حاله كذلك فأجدر به أن يكون فاضلا قبل أن يحمل الناس على تكاليف الفضيلة خصوصا متى لوحظ أن زمن التأليف إنما كان بعد رجوعه من مقدونيا وفتحه مدرسة المشائين ، أي أنه وضع هذا الكتاب على الراجح وسنه حوالي الخمسين .