أرسطو
تصدير 37
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
لا يعطينا أرسطوطاليس في عيشته على علمه الغزير وفضله الكبير صورة من صور الفلاسفة الذين قد عزلتهم الفلسفة عن الناس فاتخذوا لهم ضروبا من العيشة ليست مألوفة في الطبقة التي ينتسبون إليها ، إن في لبسهم أو في غذائهم أو في سكناهم أو في ابتعادهم عن اللذات الانسانية كلها إلا عن أعلاها وأفضلها وهي لذة التفكير . ولا يعطينا أرسطو في عيشته شيئا من هذه الصورة الشاذة للفلاسفة الذين تقشّفوا أو الذين غلوا في التقشف والإعراض عن مشاكلة الناس . ليس معنى هذا الطعن على أولئك الزهاد أو أهل الخلوة والعزلة الذين طابت نفوسهم عن نعيم الدنيا وتوجهت إلى نعيم الآخرة ، ولا على أولئك الذين اكتفوا من الواجبات الاجتماعية بتعليم الناس وتنوير أفهامهم فإنهم دائما محل للاحترام . إنما أسوق القول لأبين أن أرسطو ، على فلسفته العميقة ، لم يخرج في معيشته عن حدود أهل طبقته إلا في شئ واحد هو التزام الاعتدال في كل شئ . فقد كان يلبس أحسن الملابس ولكن مع الاعتدال ، وينفق من ماله على العلم وعلى نفسه وذوى قرابته وخدمه وأصدقائه وعلى الفقراء ولكن على حدود السخاء الذي قرّره . تزوّج فأحب زوجه حبا جمّا فلما ماتت حزن عليها ثم أوصى بأن يضم رفاتها إلى رفاته . تزوّج زوجه الثانية فلما حضرته الوفاة لم يفته أن يكافئها على إخلاصها له وخدمتها إياه ولم يفته كذلك النظر في مستقبلها فأوصى بأنها إن أرادت الزواج فلتوضع عند رجل فاضل . . . الخ ، كما سترى في الوصية الآتية . وعلى الجملة لم تمنعه فلسفته من أن يعيش في الجمعية عضوا عاملا فيها يحمل ما فيها من تكاليف ويباشر ما بها من لذة وإن كان قد جعل اللذة الحقة والعليا في التفكير ليس غير . كذلك كان أرسطو يعول أهله وأصدقاءه وعبيده ولم يفرّط في حقوقهم في حياته . فلما حضرته الوفاة سار على السنن العادي للموسرين أمثاله