أبو نصر الفارابي

35

الأعمال الفلسفية

الأفعال ؛ هي عملية يتميّز بها الإنسان في تطبيقاته الخلقية ؛ بموازنة دقيقة بين إفراط وتفريط ، أو نقصان وزيادة ، وتجنّب الوقوع في أحد طرفي المعادلة ؛ لأنّ الحدّين المستقطبين يتصفان معا بالرذيلة . بينا الفضيلة منهما وسط ، لا يميل إلى هذه ولا إلى تلك - بل هو صراط مستقيم لا عوج فيه ولا التواء ، ينبغي أن لا تزلّ قدم الإنسان عنه ، فيهوى عندئذ في ضلال الغيّ والفعل السيّئ الذي يتصف بالقبح والسلب والفدامة ! . . وعلى الرغم ممّا يراه الفارابي في قضية الوسط الأخلاقي وضرورة الأخذ به ، فهو - في الوقت ذاته - لا يخفي عنّا صعوبة عملية الكشف عنه ؛ لأنّ الوقوف على الوسط ، كما يقول الفيلسوف ، « عسير جدا ! » - ولكن الحكيم يبقى مؤكدا أنّ ( التعوّد ) سبيل لا حب في اقتناص هذا الوسط حيثما كان ؛ سلبا أو إيجابا . . . وتلك شنشنة تمسك بها المعلم الأوّل ؛ وحذا حذوه جميع الذين ساروا على الطريق ذاته من أنصار الاخلاق المعيارية ذات « الحكم » الذي لا يخضع للتغيّر الوضعي في كلّ زمان وفي كلّ مكان ! . . وأيّا ما كان ؛ فإنّنا كلّما وجدنا أنفسنا مالت إلى جانب عودناها أفعال الجانب الآخر ، ولا نزال نفعل ذلك إلى أن نبلغ الوسط أو نقاربه جدا - كما يقول الفارابي . ووسيلة الكشف عن ذلك تتحقّق على الشكل التالي : « بأن ننظر إلى سهولة الفعل الكائن عن النقصان ؛ هل يتأتى أم لا ، فإن كانا ( يقصد التأتي أو عدمه ) على السواء من السهولة ، أو كانا متقاربين ؛ علمنا أنّا قد وقفنا أنفسنا على الوسط . وامتحان سهولتهما هو أن ننظر إلى الفعلين جميعا ؛ فإن كنّا لا نتأذى بواحد منهما ، أو نلتذ بكل واحد منهما ، أو نلتذ بأحدهما ولا نتأذى