أبو نصر الفارابي

36

الأعمال الفلسفية

بالآخر ، أو كان الأذى عنه يسيرا جدا ؛ علمنا أنّهما في السهولة على السواء ومتقاربين - ولما كان الوسط بين طرفين ، وكان قد يمكن أن يوجد في الأطراف ما هو شبيه بالوسط ، وجب أن نتحرز من الوقوع في الطرف الشبيه بالوسط » . وفات الفارابي أنّ الأحكام العقلية هنا ، سواء على الفعل أو وسطه الأخلاقي ، قد لا تستوي لدى جميع الأفراد في إشكالاتهم على الوسط مهما تفاوتت درجاته وتباينت أوضاعه . ومن هنا فليس للإنسان ، من الناحية النظرية على أقل تقدير ، إلّا أن يحسم القول بأنّ الوسط فعل اختياري ، وكلّ فعل اختياري لا يتمّ - في ظل المدرسة المعيارية في علم الأخلاق - إلّا بسبيل العقل ؛ بعيدا عن تأثيرات المحسوسات وما تقود إليه من ضلالات ! وليس في موقف الفارابي هذا ما يضادّ الرأي الذي نراه ، ولكننا نعود لنأكّد ثانية أنّ الإنسان لا يمكن له أن يستحيل إلى عقل خالص فحسب ؛ دون أن تحتويه تكامليته النفسانية في اختيار الفعل الذي يريد - وتلك مشكلة قامت في الأخلاق والفلسفة ؛ تنازعتها التكاملية من جهة ، والثنائية من جهة أخرى ، وبقيت حتى عصرنا الحاضر تمثّل « موقفا » من مواقف الفكر الإنساني بكلّ صوره ومفارقاته . . ونحن أميل إلى التكاملية منّا إلى الرأي الآخر ! . . وعود على بدء ؛ فالناس - في رأي الحكيم - يختلفون فيما بينهم : فهناك من له جودة الروية وقوّة العزيمة ، ويمثّل هذا الجانب الإنسان الحر . أمّا من افتقر إليهما أو إلى العزيمة بالذات ؛ فهو الإنسان العبد بطبعه ! . . ويتميّز الأحرار هنا بأنّهم : « متى أرادوا أن يسهلوا على