أبو نصر الفارابي

19

الأعمال الفلسفية

الفاضلة إنسان اكتسب المعرفة عن دربة ودراسة وطول أناة ، بينما رئيس مدينة الفارابي لا يكون كذلك لأن معرفته قائمة على الحدس والإلهام ، ولا يختار من قبل أهل المدينة ؛ باعتبار أنه هو ( مختار ) بطبعه الذي فطر عليه ، ومنصوص عليه من قبل الناموس . فلا مجال للقول عندئذ بأن الفارابي أبعد فكرة الانتخاب ، لأنها غير واردة في منهجه أصلا . وأيّا ما كان ، فالتخطيط الذي رسمه الفارابي للمدينة الفاضلة أقلّ طوبائية مما فعله أفلاطون في عصره ، بل في الأول ( أعني أبا نصر ) وشائج قربى مع نظريات الحكم في الإسلام ، رغم حدّة نزوعه نحو مواقع التفويض الإلهي في التنظيم والتنسيق ، مصحوبا بدلالة الالتزام بالفطرية والعصمة معا . ولكنه بقي عند حدوده تلك لم يفارقها قيد أنملة ، ومن هنا كان الموقف نظريا لا تطبيقيا ، ففقد بسبب هذه الصفة عنصر الاستمرار والتطور . ويرجع بعض الباحثين ذلك إلى عوامل الانحراف الذي لحق التعليم والنصوص ، وأدّى في نهاية الأمر إلى الخروج على الأصول الملزمة للدين الجديد . والذي أريد قوله هنا ؛ إنني أخالف أولئك الذين يحاولون دفع الفارابي إلى ساحة الخيال المحض في بنائه لمدينته الفاضلة بغية وضعه وأفلاطون في عربة واحدة تتجاوز في خيالها مفاوز الليل والنهار ! فليس هو كذلك رغم الصور النظرية التي أوضحناها 3 .