أبو نصر الفارابي

140

الأعمال الفلسفية

فيحصل هاهنا علم آخر ونظر آخر يفحص عن هذه المبادي العقلية وعن الأفعال والملكات التي بها يسعى الإنسان نحو هذا الكمال ؛ فيحصل من ذلك العلم الإنسان والعلم المدني . ( 17 ) فيبتدئ وينظر في الموجودات التي هي بعد الطبيعيات ويسلك فيها الطرق التي سلكها « 1 » في الطبيعيات ، ويجعل مبادئ التعليم فيها ما يتفق أن يوجد من المقدمات الأول التي تصلح لهذا الجنس ، ثم ما قد برهن في العلم الطبيعي ممّا « 2 » يليق أن يستعمل مبادئ التعليم في هذا الجنس ، وترتب الترتيب الذي سلف ذكره ؛ إلى أن يصار إلى شيء شيء ممّا في هذا الجنس من الموجودات . فيتبين الفاحص عنها أنه ليس يمكن أن يكون لشيء منها مادة أصلا ، وإنّما ينبغي أن يفحص في كل واحد منها ما ذا وكيف وجوده ، ومن أي فاعل ، ولما ذا وجوده . فلا يزال يفحص هكذا إلى أن ينتهي إلى موجود لا يمكن أن يكون له مبدأ / أصلا من هذه المبادي : لا ما ذا وجوده ، ولا عمّا ذا وجوده ، ولا لما ذا وجوده ؛ بل يكون هو المبدأ الأول لجميع الموجودات التي سلف « 3 » ذكرها ، ويكون هو الذي به وعنه وله وجودها « 4 » بالأنحاء التي لا تدخل عليه نقصا أصلا ؛ بل بأكمل الأنحاء التي بها يكون الشيء مبدأ للموجودات .

--> ( 1 ) ب : يسلكها . ( 2 ) ح : بما . ( 3 ) ب : سلفت . ( 4 ) ط ، م ، ب ، ح : وجوده ( فضّلنا قراءة فلقيرا : وجودها ، التي أشار إليها محسن مهدي في ترجمته للنص إلى الإنكليزية ) .